Skip to Content

Saturday, December 14th, 2019

أحمد الراجحي يكتب : المواطن والموازنة

Closed
by August 17, 2017 General

المواطن البسيط مجبر على محاولة استيعاب مفاهيم الاقتصاد الأساسية باحثا عمن يبسطها له، فالموازنة العامة الدولة هى دخل الأسرة الكبيرة المكونة من مجموع الشعب المصرى (ومن الاسم فهى أشبه بكفتى ميزان من الواجب أن تتساويان ليتزن وتنقسم إلى ايرادات وأرباح، وعلى جانب اخر يوجد المصروفات والذى ينقسم لأربعة اقسام (رئيسية) الدعم بانواعه – مرتبات العاملين فى الدولة – أعباء خدمة الديون – الانفاق الاستثمارى على القطاعات الخدمية كالإسكان والتعليم والصحة.

وتعانى مصر من عجز دائم فى الموازنة العامة (الإيرادات أقل من المصروفات) ما يجبر الدولة على اللجوء لأدوات الدين المحلى الممثلة فى أذون الخزانة التى يطرحها البنك المركزى نيابة عن وزارة المالية .. فتمولها البنوك العامة العاملة فى مصر من ارصدة الودائع لديها بمقابل فائدة وصلت ل 19 % حاليا.

على جانب آخر فهناك الميزان التجارى للدولة وهو ببساطة يمثل الصادرات بانواعها مقابل الواردات بأنواعها
وتعانى مصر من عجز مزمن بالميزان التجارى فدائما ما يكون رقم الواردات أكبر من رقم الصادرات، وترجع أهمية الميزان التجارى أنه المصدر الرئيسى للعملة الأجنبية ومعنى العجز أن حجم النقد الاجنبى الخارج اكبر من حجم النقد الاجنبى الداخل .. مما يعكس خطورة على الأجل المتوسط والبعيد.

واتخذت الدولة إجراءات عديدة للحد من الاستيراد فى الفترة السابقة، كما اتخذت فى نوفمبر الماضى قرار التعويم بهدف السيطرة على أزمة الدولار وكان اللجوء للاقتراض الخارجى كوسيلة للحصول على نقد أجنبى إجراء إضافى لتعويض الأزمة الناتجة عن ارتفاع عجز الميزان التجارى خاصة بعد أحداث يناير 2011

وقد أعلن البنك المركزى أن الدين الخارجي المستحق علي مصر ارتفع لنحو 73.8 مليار دولار في مارس 2017 مقابل 53.4 مليار دولار فى 2016 بزيادة تقدر بنحو 18 مليار دولار خلال 9 اشهر فى حين بلغ الدين المحلي 3.073 تريليون جنيه في مارس 2017 مقابل 2.496 تريليون جنيه فى عام 2016.

مما يعنى أن الدين العام الخارجي والمحلي ارتفع إلى 135.9% من الناتج المحلى الإجمالي في مارس 2017 مقابل 110.3% لعام 2016 .

فأصبح باب خدمات الدين يمثل حوالي 30% من إجمالي الإنفاق فى الموازنة العامة للدوله ويأتي هذا الرقم االمرعب نتيجةً التضخم، حيث تزايد بشكل مطرد من 45 مليار جنيه مصري في 2007 إلى الرقم المعلن عنه في مشروع موازنة العام المالي الجديد 2017/18، والبالغ 380 مليار جنيه مصري (بمعدل نمو سنوي مركب 20%)، وببساطه فإن أى زيادة بمقدار 1% في سعر الفائدة تؤدي إلى زيادة 13 مليار جنيه مصري على أعباء الموازنة وعليه

ومن هنا يتضح بجلاء ان سياسات ترشيد الدعم لم تحقق الاثر الايجابى المنشود على عجز الموازنة العامة للدولة بل العكس فلقد ارتفع رقم العجز، أضف لذلك التاثير الاجتماعى السلبى نتيجة حذف نسبة كبيرة من الحاصلين على الدعم فى السنوات السابقة.

لقد أدى قرار التعويم ( فى ظل انخفاض رقم الاستثمار الاجنبى ) إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة ما أدى بالتالى لارتفاع أسعار السلع البديلة محليا، الأمر الذى نتج عنه زيادة الضغوط الشعبية على الدولة فقرارت بزيادة المرتبات و العلاوات والمزايا بما يعنى ارتفاع عجز الموازنة فتضطر الدولة للجوء للاقتراض المحلى عن طريق اذون الخزانة وارتفاع رقم فوائد الديون المحلية.

كما أدى قرار التعويم لارتفاع قيمة الانفاق الاستثمارى الأمر المؤدى للجوء للاقتراض الخارجى وبالتالى ارتفاع رقم خدمة الدين الخارجى بالعملة الأجنبية.

ومن هنا يتضح أن التضخم الحالى في مصر هو تضخم ناتج عن التكلفة وعن تبعات القرارات التي تم اتخاذها في 2016 وليس ناتجًا عن ارتفاع الطلب كما فى حالات التضخم الطبيعى، وفى جميع الأحوال فقد أدى قرار تعويم الجنيه المصري ورفع الدعم جزئيًا عن المحروقات بالإضافة إلى تطبيق ضريبة الإنتاجية القيمة المضافة إلى ارتفاع تكلفة العملية وارتفاع تكلفة استيراد مدخلاتها،  ما أدى إلى زيادات متتاليه في الأسعار، وبالتالي فإن أية سياسات موجهة لتحجيم الطلب سيكون أثرها على التضخم محدود جدا، ان لم يكن عكسيا.

إن كان ما سبق هو الأزمة .. فما هى الحلول:

– وضع خريطة استثمارية جغرافية تهدف بالأساس لإعادة توزيع السكان

– وضع خريطة استثمارية قطاعية ( نوعية ) .. تعتمد على توجيه عدة تساؤلات لأنفسنا :

1. ماذا نستورد الآن ؟ .. فيكون الهدف توطين صناعات بديلة للمستورد

2. ماذا يستورد جيراننا ؟ .. فيكون الهدف توطين صناعات قابلة للتصدير

3. ما هى التخصصات المتنشرة بين المتعطلين ؟ .. فيكون الهدف توطين صناعات كثيفة العمالة

– يأتى كخطوة تاليو .. تشجيع الاستثمار الأجنبى بمنحه مزايا استثمارية غير مسبوقة.

1. منح حوافز وإعفاءات ضريبية وضمان تحويل الأرباح.

2. تسهيل إجراءات التأسيس وبدء التشغيل (الاستعانة بتجربة سنغافورة ودبى)

3. تسهيل الحصول على الأراضى بأسعار مخفضة، إن لم تكن بالمجان

4. التركيز على دعم و تحفيز الاستثمارات ذات البنية الاساسية الذاتية كالتعدين (الاستعانة بتجربة منجم السكرى للذهب)، الذى يؤدى بشكل مباشر لانخفاض الانفاق الاستثمارى الحكومى مما يودى لانخفاض عجز الموازنة العامة.

وإذا استلهمنا بعض التجارب من دول تشابهنا فى الظروف فإن بولندا تمثل التجربة الأنجح في التحول إلي اقتصاد السوق والديمقراطية, فلقد تخطت حصة المستثمرين الأجانب في شركات الخصخصة لنسبة 40 % وشملت عملية الخصخصة هناك عدد 5243‏ شركة خلال‏ 11‏ عاما وامتدت إلي قطاعات السكك الحديدية والاتصالات والبنوك والمناجم وحتى صناعات الدفاع.

 ووصل نصيب القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي إلي 85 % ،وبلغ إجمالي الناتج المحلي عام ‏2000‏ ( بعد عقد واحد من التحول عن النظام الشيوعى) ما يزيد علي‏160‏ مليار دولار‏، وارتفع متوسط دخل الفرد إلي أربعة آلاف دولار سنويا‏، واستطاعت بولندا اجتذاب استثمارات أجنبية خلال عشر سنوات من بدأ البرنامج ‏ بقيمة 50‏ مليار دولار‏ ,‏ ووصل مستوي تدفق الاستثمارات الأجنبية‏‏ خلال عام واحد‏ إلي نحو‏ 8.5‏ مليار دولار.‏

إن نتائج الاستعانة بالحلول السابقة على المدى القصير والمتوسط والطويل يعنى:

– تحويلات استثمارية دولارية فورية بدلا من الاستعانة بالقروض الخارجية.

– انخفاض رقم العملة الأجنبية الصادرة نتيجة تشجيع صناعات بديلة للاستيراد وبالتالى انخفاض سعر صرف العملة الأجنبية.

– ارتفاع رقم العملة الأجنبية الواردة نتيجة تشجيع صناعات قابلة للتصدير مما يحقق نفس الأثر الايجابى الوارد فى البند السابق.

– انخفاض معدلات البطالة نتيجة تشجيع صناعات كثيفة العمالة وهو ما يؤدى لارتفاع دخل الاسرة المصرية
وبالتالى يسمح للدولة امكانية اتخاذ خطوات ترشيد الدعم بسهولة ودون ظهور ضغوط او رفض شعبى .. وعدم الإضطرار للجوء للرفع الدورى للمرتبات بسب التضخم .. مما يكون نتيجته النهائية انخفاض عجز الموازنة العامة للدولة.

Previous
Next