Skip to Content

Thursday, September 19th, 2019

أملاك الدولة: ثروات هائلة بإدارة سيئة.. وفاسدة

Closed
by January 19, 2018 General

«التأميم أفضل من الخصخصة. لا، الخصخصة أكثر فاعلية من التأميم….» لقد أمضت الكثير من الدول بمسؤوليها وعامتها العقود الثلاثة الماضية في نقاشات وجدالات لا جدوى حقيقية لها بشأن المزايا النسبية للخصخصة أو التأميم، بينما تجلس على منجم ذهب يسمى الأصول العامة.
ما لا يدركه هؤلاء وأولئك، أن المشكلة ليست في هوية مالك هذه الأصول، بقدر ما تتعلق بما إذا كانت تدار بشكل فعال أم لا؟
لكن، لماذا قد نرهق أنفسنا في التفكير بشأن مصير هذه الأصول؟ ببساطة، إن أكبر تجمع للثروة في العالم، والذي يفوق إجمالي مدخرات المعاشات التقاعدية وتقترب قيمته من 10 أضعاف مجموع رؤوس أموال جميع صناديق الثروة السيادية الموجودة على سطح الكوكب، هي الأصول التجارية المصنفة كملكية عامة.

في كتابهما «الثروة العامة للأمم» الصادر في عام 2015، أشار الخبيران الاقتصاديان داج ديتر وستيفان فولستر إلى أن هذه الأصول إذا ما تمت إدارتها بشكل محترف يمكنها أن تولد عائدات سنوية تقدر بنحو 2.7 تريليون دولار، وهو ما يتجاوز حجم الإنفاق العالمي الحالي على البنية التحتية: النقل والطاقة والمياه والاتصالات.

إدارة الثروة أهم من إدارة الديون
تمتلك الحكومات في جميع أنحاء العالم أصولاً عامة تقدر قيمتها بنحو 75 تريليون دولار، تشمل كل أنواع الموجودات التي يمكنك تخيلها من «أراض وعقارات وموانئ ومطارات وجسور وسكك حديدية وغيرها»، والتي غالبا ما تدار بشكل سيئ مؤسسيا وتجاريا وكثيرا لا تظهر حتى في ميزانياتها العمومية.
على مدى العقود الأخيرة، ركز صناع القرارين السياسي والاقتصادي بشكل حصري تقريبا على إدارة الديون، متجاهلين إلى حد كبير مسألة الثروة العامة. هل تتصور أن ارتفاع عائد هذه الأصول بنسبة %1 فقط يمكنه إضافة نحو 750 مليار دولار إلى الإيرادات العامة؟
وسوء إدارة هذه الأصول لا يهدر أموال الشعوب فقط، بل يساهم في ضياع فرص. وربما أبرز مثال على ذلك، ثروة النفط الصخري أو التكسير الهيدروليكي التي من شأنها جعل الولايات المتحدة مكتفية ذاتيا من النفط، والتي تتم بالكامل تقريبا على أراض خاصة.
تمتلك الحكومة الفدرالية الأميركية مباني بقيمة دفترية تساوي 1.5 تريليون دولار، فضلا عن %25 من أراضي البلاد. ولكن رغم هذه الإمكانات الهائلة، لا يوجد تقريبا أي وجود فعال لأنشطة التكسير الهيدروليكي على الأراضي العامة. النشاط يقع حرفيا في حجر الشركات الخاصة التي تمتلك التكنولوجيا والأرض.
ورغم أن عملية تقييم الأصول العامة غالبا ما تكون صعبة للغايةفان هناك احتمالا كبير أن تتجاوز قيمتها في العديد من البلدان قيمة ناتجها المحلي الإجمالي السنوي.
ومعظم هذه الأصول، إما تتم إدارتها محاسبيا بشكل ضعيف، أو لا توجد لها أي حسابات على الإطلاق. والأطرف أنه في بعض الأحيان قد لا توجد لها سجلات ملكية سليمة. فاليونان مثلا لا تملك سجلا وطنيا كاملا للأراضي التي من المفترض أنها ملكية عامة.
والإدارة الجيدة للأصول العامة، إلى جانب قدرتها على توليد إيرادات معتبرة، من شأنها أيضا أن تساعد في تخفيض ديون البلاد وكذلك خفض أعباء الضرائب عن كاهل المواطنين، فضلا عن مكافحة الفساد، عن طريق الحد من الاستخدام الجزافي لأصول الدولة من قبل المسؤولين.

الخطوة الأولى.. الشفافية
كلمة «حساب» هي أساس «المساءلة». ففي غياب عوامل مثل الشفافية والانفتاح والوضوح بشأن طريقة إدارة الأصول العامة، لا يمكن أن تكون هناك أي مساءلة فعالة للقائمين على إدارتها (الحكومة) من قبل ملاك هذه الأصول (العامة) والذين يكونون أشبه بمن يقف في الظلام.
إشارة إلى أنه هناك أصل عام نادرا ما يظهر في الميزانية العمومية للدولة. فوزارة المالية من المفترض أنها المالك المستفيد للبنك المركزي. بعض الدول توضح هذه الحقيقة بشكل جلي لا لبس فيه، مثل المملكة المتحدة، التي يعتبر فيها بنك إنكلترا رسميا شركة مساهمة تمتلك وزارة الخزانة جميع أسهمها (منذ عام 1946).
في بلدان أخرى، العلاقة بين وزارة المالية والبنك المركزي التي تخول للأولى الحصول على إيرادات نشاط الأخير غير واضحة ومحاطة بقدر من الغموض، وهذه هي الحال في دول مثل إيطاليا واليابان، وفي الفروع الإقليمية للفدرالي الأميركي. لأسباب غير معروفة يُستبعد البنك المركزي من الميزانيات العمومية للعديد من البلدان.
الكثيرون يشيرون دائما إلى الدراسات التي توضح أن الشركات المملوكة للدولة تحقق عوائد أقل من نظيرتها المملوكة للقطاع الخاص وكأن هذا هو قدرها المحتوم، متجاهلين وجود الكثير من الشركات الحكومية التي تدار بشكل ممتاز، مثل «ستات أويل» النرويجية، و«فولكس واغن» المملوكة جزئيا للحكومة الألمانية.
من أجل إدارة أفضل للأصول العامة، تعتبر الشفافية خطوة أولى حاسمة في هذا الاتجاه. هناك بلدان لديها نهج يتسم بالكفاءة والمهنية في إدارة أصولها العامة، مثل النمسا وفنلندا ونيوزيلندا وسنغافورة والسويد، حيث تقوم بنشر تقارير سنوية توضح أداء أصغر أصل تمتلكه الدولة. ولكن مع الأسف، هذه الدول تعتبر استثناءات.

ما الذي يمكن أن تقوم به الصناديق السيادية؟
يقترح «ديتر» و«فولستر» تنظيم جميع الأصول التجارية المملوكة للحكومة تحت مظلة صندوق ثروة سيادي واحد، والذي سيكون بمنزلة صندوق أسهم خاصة مملوك للقطاع العام، تتم إدارته بطريقة شفافة من قبل الخبراء، تحت إشراف ومراقبة «ولكن دون تدخل» السياسيين.
أبرز ما قد يعيق الإدارة الناجحة للأصول العامة هو وجود علاقة غير مستقرة بين القائمين عليها والساسة، وهو ما يساهم في تفويت الكثير من الفرص، بل والأسوأ من ذلك، قد تصبح هذه الأصول ضحية للتدخل السياسي والمحسوبية والفساد.
وقامت نحو 15 دولة حول العالم بإنشاء صناديق سيادية لإدارة أصولها العامة بطريقة أكثر استقلالية، بعيدا عن براغماتية وموازنات السياسة. والحجة التي تدعم هذا الاتجاه، هي ذاتها التي تؤسس لضرورة استقلالية البنك المركزي وصناديق التقاعد الحكومية.
وهذه الصناديق دائما ما تدار بواسطة خبراء ماليين، وتستثمر بشكل رئيسي في الأصول المالية قصيرة أو متوسطة الأجل. ونادرا ما تقوم بالسيطرة المباشرة على أي نشاط تجاري تستثمر فيه (قدم في الداخل وأخرى في الخارج)، ولكنها تفضل الاستثمار في الأصول الأكثر سيولة.
الدولة في المقابل، تحتفظ بحقها في فرض ضوابط على الممتلكات العامة التي بإمكان إدارة الصندوق بيعها، كما تقوم بتعيين مدققي الحسابات، والمديرين غير التنفيذيين المسؤولين عن المحفظة. هذا النهج يسمح بتوحيد جميع الأصول التجارية العامة تحت كيان واحد له خطة متكاملة، ويدار بكفاءة ووفق المعايير الدولية.
على سبيل المثال، صندوق الثروة السيادي النمساوي ÖIAG يمتلك محفظة من الأصول العامة تعادل قيمتها نحو %25 من القيمة الإجمالية لسوق الأسهم النمساوي. هذا الصندوق تأسس في الأصل في عام 1946، في خطوة استباقية لتأميم الصناعة النمساوية قبل الاستيلاء عليها من قبل الاحتلال السوفيتي.
في عام 1970، وبعد خسائر متزايدة – كان سببها التدخل السياسي في أكثر الأحيان – تم تحويل الصندوق إلى شركة قابضة مستقلة، واستبعاد كل السياسيين من مجلس الإدارة. واليوم، يحقق الصندوق عوائد معتبرة، بعد أن تمكن من سداد الديون التي تراكمت عليه قبل أن يصبح شركة مستقلة
واختصارا: طريقة إدارة الثروة العامة هي واحدة من اللبنات المؤسسية الحاسمة التي تمايز بين الدول الناجحة والفاشلة. ومرة أخرى، نشير إلى أن مؤيدي الخصخصة وأنصار التأميم تغيب عنهم نقطة مهمة جدًا أثناء جدالهم اللامنتهي، وهي أن ما يهم العامة عندما يتعلق الأمر بالأصول المملوكة للدولة هو كفاءة إدارتها وانعكاسات ذلك عليهم، ولا شيء آخر. (أرقام)

Previous
Next