Skip to Content

Friday, November 22nd, 2019

البلاشفة الجدد!

Closed
by August 10, 2016 General

النسخة: الورقية – سعودي

< في عام 1917 قامت ثورة البلاشفة في الاتحاد السوفياتي ضد النظام الحاكم بذريعة الفساد والحرب والديون، إذ كانت تحت إمرة فلاديمير لينين ويده اليمنى جوزيف ستالين وكامل الحزب البلشفي والجماهير العمالية لإقامة دولة اشتراكية وإسقاط الحكومة الموقتة. وتعد الثورة البلشفية أول ثورة شيوعية في القرن الـ20 الميلادي.

وكانت نتائج الحرب العالمية الأولى آنذاك في طور التنفيذ، إذ كانت الدول العظمى تتصارع على النفوذ وموارد الطاقة، وممرات الملاحة والأسواق الواعدة ولم تكن هناك حدود مرسومة لدول معروفة شرق حدود مصر. وكان التفاهم سرياً بين فرنسا والمملكة المتحدة، بمصادقة من الإمبراطورية الروسية آنذاك، إذ كان نصيب روسيا من ذلك الاتفاق أجزاء من الإمبراطورية العثمانية، والسيطرة على مضيق البوسفور والدردنيل، والاتجاه جنوباً حتى الموصل، ولكن ومع نتائج ثورة البلاشفة التي ألغت الحرب والاتفاقات الخاصة بها، لم يستطع الروس المطالبة بحصتهم من الاتفاق لتخليهم عن فكرة الحرب وتقسيم الأدوار، والمطالبة بحكم ينتشل الفقراء ويقسم أموال الحكام.

ما قامت به بريطانيا حالياً هي ثورة بلشفية من ناحية الفكرة، ولكن بأهداف مختلفة، ومنها عدم الرضا لتوجه الاتحاد الأوروبي في التعامل مع الأوضاع العالمية، ومنها الأمنية الأوروبية كقضية اللاجئين مثلاً، مع نزعة إمبراطورية مكنونة في أنفس كثير من المصوتين للانفصال من أوروبا غير مهتمين بالنتائج الاقتصادية الوخيمة من ذلك القرار، الذي قد يخسرون بسببه دول أخرى مثل أسكتلندا وويلز وشمال أرلندا كما حصل مع البلاشفة، الذين فقدوا أرض نفطية في الموصل، وأهم مضايق العالم في تلك الحقبة بذريعة الثورة البلشفية.

لكن الغريب أيضاً أن المؤيدين لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي لم ألحظ عليهم تسليط إعلامهم على النتائج الوخيمة من ذلك الخروج على المستوى الاقتصادي والسياسي من وقت إعلان الاستفتاء، وحث المجتمع البريطاني للمحافظة على مكتسباته بدلاً من هدرها بهذه الطريقة، وبعد أكثر من 40 سنة ضمن ذاك التحالف.

ومن نظرة استراتيجية أعتقد أن النتائج قطعاً وخيمة على الاتحاد الأوروبي، وأظن انفصال بريطانيا لن يكون الوحيد في أوروبا، حيث فرنسا الشريك الإمبراطوري والمنافس التقليدي لبريطانيا، ربما يحدث معه نفس الشعور، الأمر الذي لو كان سيكون خروج ألمانيا لا مفر منه من ذاك التحالف الكبير والقديم.

والملاحظ أن معظم النتائج حالياً تصب في مصلحة روسيا، إذ إنها هي المستفيد الأكبر من ذاك الانفكاك، إذ تعتبر روسيا سلة الطاقة الأوروبية، واعتماد أوروبا تقريباً على الغاز الروسي، ومعظم الشركات العاملة في ألمانيا وفرنسا هي روسية، والعكس أيضاً وكلما كانت الاتفاقات الاقتصادية منفصلة كانت النتائج أفضل أيضاً، باستطاعة الدول المنفصلة أن تلغي العقوبات المفروضة من الاتحاد الأوروبي على روسيا، التي تضررت منها ألمانيا وفرنسا قطعاً.

أيضاً غير بعيد عن أميركا في حال تفكك بعض دول الاتحاد الأوروبي قد لا تكون بعيدة عن مرمى نيران البلاشفة الجدد، وإذا استطاعت المحافظة على وضعها الحالي فستكون القوة المتحدة الأكبر والأقوى في العالم،

ومن ضمن النتائج النفسية من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ترسيخ مفهوم الانفصال من الإقليم أو الاتحاد على مستوى العالم، إذ من الوارد أن نرى طلب الأكراد في العراق وسورية وتركيا بالانفصال أسوة بغيرهم، مثل انفصال جنوب السودان عن الخرطوم وانفصال إريتريا عن إثيوبيا، ومن ثم قد تنتقل العدوى إلى تقسيم على أساس عرقي وديني وربما اقتصادي مثل سنغافورة وهو الأخطر.

إن العالم ولا شك يمر بمتغيرات ضخمة ستتولد منها نتائج غير متوقعة وعلى المدى القريب، إذ إن قوة الاقتصاد في هذا الزمان تعادل القوى العسكرية في زمن الحروب العالمية ومن يلعب بطريقة مرنة موازية للواقع الحالي مدعوم باقتصاد قوي سيكون له كلمة في توزيع الأدوار والمحطات وربما الأرض كما كان إبان اتفاق سايكس بيكو التي يبدو أنه عفا عليها الزمن.

ويبدو أن تركيا فهمت الدرس وتسابق الزمن لإصلاح ما تم تخريبه.

* باحث استراتيجي.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

Previous
Next