Skip to Content

Monday, August 19th, 2019

التطور المرهق والمقلق

Closed
by December 30, 2017 General

حتى قبل عشرين سنة كان الواحد منا بحاجة إلى واسطة لتركيب تلفون عادي في بيته، وكان التلفون يرنّ في اليوم ثلاث أو أربع مرات، ثم صرنا قادرين على مخاطبة أفراد أسرتنا محلياً، وأصدقائنا في هونولولو دولياً، ونحن نقود سياراتنا التي كل شيء فيها يعمل أتوماتيكياً، الأبواب تغلق نفسها، ومصابيح السيارة تطفئ نفسها، وفي طرقات اليوم سيارات تتحرك بنفسها من دون حاجة الى سائق، لتقف حيث يريد لها صاحبها ان تقف، وسمعت اليوم (أكتب هذا المقال في اليوم السادس والعشرين، من ديسمبر عام 2017، أي في صبيحة اليوم الذي يلي الكريسماس مما يؤكد أنني لم أكرمس ولم أهلِّس ليلة أمس). المهم سمعت في سي إن إن أن الجيل الجديد من السيارات الذي ستغزو الملايين منه الشوارع خلال السنوات العشر المقبلة لن يحتاج الى سائق وأن وجودها سيعني انخفاض حوادث السيارات بنسبة 80%، وفي هذا تلميح الى أن تلك السيارات ستكون أعقل من بني البشر.

وفي البيت يستطيع فرن المايكروويف تجهيز أصعب وجبة في ربع ساعة، أما إذا كنت تعتقد أنك غير قادر على الصبر على الجوع أكثر من ربع ساعة، (لأن الطعام المُعَد بالمايكروويف يحتاج الى نحو نصف ساعة حتى يبرد ويصبح قابلا للمضغ)، فإن المطعم يقوم بتوصيل الوجبة إلى بيتك خلال 20 دقيقة، وفي المدرسة فإن الحاسبات الإلكترونية والآيباد والهاتف الجوال تعينك على حل أعقد المسائل الحسابية خلال ثوان بعد أن انتهى عصر: سبعة زائد ثمانية يساوي 15 معانا واحد.

وعلى الرغم من أن حياتنا صارت سهلة إلا أن طعمها ماسخ: وسائل التواصل حرمتنا في الواقع من التواصل الحميم الدافئ، والطعام أصبح جميل الاسم ولكن رديء الطعم وضار بالصحة، والهواتف التي صارت تساعدنا على الاتصال مع بعضنا البعض «بلوشي»، صار وجودها مصدر قلق إضافي، ويا ويلك مثلاً إذا لم ترد على مكالمة من زوجتك على الهاتف الجوال، ربما لأنك لم تسمع أنينه أو رنينه بسبب الكلام الفارغ المتدفق من متحاورين عربيين في إحدى إذاعات إف. إم. أحدهما «كافر»، والثاني «ظلامي استئصالي»، أو لأنك نسيته في مكان ما.

وعلى المستوى الشخصي فإن أم الجعافر تنزعج وتصبح قلقة عليّ عندما لا أرد على مكالماتها لأنه من المفترض أنني أحمل معي الجوال حتى في دورة المياه، والتفسير الوحيد لعدم ردي على المكالمة هو أن مكروهاً أصابني وأنا في مقتبل العمر (حسرة على شبايي). المهم أن كل شيء حولنا يدعو إلى القلق.. فالخبز الحار من ناره، الذي كنا أيام زمان نتلذذ بغمسه في شاي الصباح صار مسبباً للسرطان لأنه يوضع في كيس بلاستيكي، والقهوة مفيدة للصحة في نظر مايو كلينيك وضارة بالصحة في نظر كليفلاند كلينيك، وما عاد الحمل والإنجاب مدعاة للسرور الشديد والفرح الغامر: تاني ندخل في حكاية الحفاظات والحليب الاصطناعي والتطعيم… وحِلَّلك لما يدخل المدرسة.. ومصاريف الجامعة.. هذا إذا وجد واسطة لدخول الجامعة! وتأتيك ترقية فتستسلم للوساوس: الآن سأصبح هدفاً لمؤامرات سعدون وزعنون وجماعتهما، وليس من المستبعد أن أفقد وظيفتي كلياً بسبب مؤامراتهما! نضع صينية الشاي أمامنا ثم نوسوس: ملعقة سكر واحدة أم اثنتان.. أحسن الكاندريل.. بس يقولون إن السكر الاصطناعي يسبب السرطان بسبب الاسبرتيم الذي فيه!! واسمعيني زين يا أم العيال تعرفين لو رحنا أي دولة أوروبية ها الصيف يبهدلونا ويحرجونا ويشمشمونا بالكلاب البوليسية!! وأنت تدرين أني ما سددت سلفة إجازة الصيف الماضي، لما راحت معنا أمك! ما رأيك نحن نجلس بالبيت ونعطي أمك كمين ألف تروح بروحها الصين وسنغافورة وهونج كونج والفلبين تغير هوا شوي، وترجع بالسلامة بدل ما تكون -يا حرام- محبوسة ويانا بالبيت.

إقرأ أيضا لـ”جعفـــــــر عبــــــــاس”

Previous
Next