Skip to Content

Saturday, September 21st, 2019

التقدم والتقدميون

Closed
by April 24, 2017 General

سعدت كثيرا عندما بدأ الأستاذ عادل اللبان مقالاته عن التقدم فى مصر، وكان لافتا للنظر أنه بدأ السلسلة بالحديث عن التقدم فى إسرائيل، لعل وعسى يحل بالدولة بعد المقارنة قدر من الغيرة والحماس. وسعدت أكثر عندما وجدت الصديق القديم د. أسامة الغزالى حرب يعلق على ما كتب، وعندما التقيت أثناء إجازة شم النسيم مع الصديق د. أحمد جلال، وأثناء واحدة من نقاشاتنا العديدة احتل موضوع التقدم الذى احتوته مقالاته المتميزة جزءا كبيرا من الحوار. وبالصدفة البحتة راجعت أوراقى القديمة فوجدت أننى نشرت كتابا فى عام ٢٠٠٤ (الأعمال الفكرية ـ مكتبة الأسرة ـ الهيئة العامة للكتاب) بعنوان «مصر دولة متقدمة»، ضم ٨١ مقالا، جميعها حول نفس الفكرة: التقدم.

الفقرة الأولى فى الكتاب جاء فيها ما يلى: لايوجد بين المصريين من لا يريد لمصر أن تكون واحدة من الدول المتقدمة فى العالم؛ صحيح أن هناك من يريدها دولة فاضلة، وهناك من يريدها دولة قائدة، وهناك من يريدها دولة ثورية، ولكن كل هؤلاء على تنوع منابعهم الفلسفية، يريدون لوطنهم أن يكون فى صفوف الأوطان المتقدمة. ولم لا تكون بلادنا العضو التاسع فى مجموعة الدول الثمانية الأكثر قوة والأكثر منعة فى العالم كما يحلم البعض، وكما يعتقد البعض الآخر أن ذلك ليس على الله ببعيد، ولكنه أيضا ليس على الناس بالمستحيل. وبعيدا عن الأحلام ـ والكوابيس أيضا ـ والخلافات الكثيرة حول طرق الإصلاح والتغيير، فإن بداية الطريق، وبداية القصة تبدأ من نهايتها، وعندما نعرف ذلك فإن المسار والسيناريو يمكن تخيله، والتضحيات والثمن والزمن يمكن التعرف عليه. ويقول المصريون فى العادة «هات من الآخر» عندما يكون الأمر جادا ولا يحتمل لغوا ولا يقتضى لجاجة. والآخر الذى نريده هو أن تكون مصر بين الدول المتقدمة، ومن هذا الهدف تأتى كافة التفاصيل الأخرى، ومنها تأتى كافة الأسئلة، وإليه تذهب كافة الإجابات.

كانت هذه البداية فى الكتاب، وما تلى بعد ذلك كان فحصا للسمات المشتركة للدول «المتقدمة»، والمسارات التى اتبعتها لكى تصل إلى هذه الحالة. فلا توجد دولة تقدمت أو تتقدم ما لم تحقق معدلات نمو مرتفعة خلال فترة زمنية معقولة، وكلاهما يعنى مضاعفة نصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالى، وهو أمر احتاج قرنا لكى تحققه بريطانيا، بينما احتاجت الولايات المتحدة لنصف قرن، وبعد الحرب العالمية الثانية فإن دولا مثل ألمانيا واليابان ودول النمور الآسيوية وصلت لهذه النتيجة خلال عشر سنوات؛ أما الجيل التالى من الفهود الآسيوية فقد حقق الهدف فى خمس سنوات فقط. والآن فإن هناك مؤشرات تدل على أن دولا مثل فيتنام يمكنها تحقيق الهدف فى ثلاث سنوات. والسبب فى هذه السرعات المتسارعة فى تقدم الدول يعود إلى ثلاثة أسباب: القدرة على اكتشاف الثروات، والتقدم العلمى والتكنولوجى، والتنظيم والإدارة لعملية التغيير من التخلف إلى التقدم.

سوف نعود إلى هذه الأسباب مرة أخرى للتفصيل فيها فيما يخص مصر، ولكن ما يهم هنا استكمال شروط التقدم، فالثابت أن الدول لا تتقدم ما لم تنجح فى تحقيق عدد من الشروط الأولية، فلا يصبح بلد متقدما ما لم يضع نهاية تامة للأمية، ويكون التعليم الذى يقدمه ينتهى بخريجين من المحاسبين والأطباء والمهندسين والمدرسين لا يختلفون من حيث النوعية عن زملائهم فى الدول المتقدمة. ولا توجد دولة متقدمة إلا وكان نظامها الاقتصادى رأسماليا؛ وخلال القرن العشرين عرف العالم محاولات شتى، بعضها كان اشتراكيا وبعضها كان إسلاميا، وبعضها حاول اختراع طريق ثالث يجمع بين حسنات كل الأنظمة، فكانت النتيجة هى أن النظام المستحدث جمع سوءات كافة الأنظمة. وإذا كانت الرأسمالية هى التعبير عن المنافسة الاقتصادية فإنها لا تصح فى النهاية إلا بعد العبور بالمنافسة السياسية. فمن الثابت أن الديمقراطية التى تقوم على التنافس فى خدمة المصالح العامة هى شرط لا غنى عنه عند مرحلة من التقدم والتطور. وقد ثبت أن إسبانيا والبرتغال واليونان وشيلى وكوريا الجنوبية وسنغافورة والمكسيك، لم يكن ممكنا أن تنضم إلى نادى الدول المتقدمة ما لم تنتقل من النظام السياسى السلطوى إلى النظام الديمقراطى.

هل يمكن تحقيق كل ذلك فى مصر؟ والإجابة هى نعم، فلماذا تكون مصر مختلفة عن أكثر من مائة دولة انتقلت بالفعل من التخلف والفقر إلى الغنى والتقدم. وللحقيقة، كما ذكرنا، فإن التقدم التكنولوجى يعمل لصالح الدول المتأخرة ويظهر فى تراجع الفقر والجهل والمرض، ولم يحدث ذلك فى الصين والهند وحدهما حيث تخرج أكثر من مليار نسمة من دائرة الفقر والجهل والتخلف فى العموم إلى دائرة التقدم، ولكن ذلك حادث باتساع الكون بأسره فى دول مثل منغوليا وموزمبيق وبنجلاديش والبرازيل والمغرب. والحقيقة أن مصر لديها من الفرص ما لا يقل عن كل هؤلاء ليس فقط لما أعطاها التاريخ والجغرافيا من تراكم حضارى، وموقع متميز، وإنما لأن ثرواتها الكبرى لم تستغل بعد. فإذا كان الجيل الأول من الدول المتقدمة (دول غرب أوروبا وشمال أمريكا) قد اعتمد على «الكشوف الجغرافية» لكى تستغل وتستعمر وتوفر تراكما رأسماليا يكفى لتحقيق التقدم، فإن مصر لا تحتاج لأى من ذلك لأنها لا تستغل أكثر من ٧٪ من مساحتها. بمعنى آخر فإن مصر لا تزال بكرا من الناحية الاقتصادية. وبينما الجيل الأول قد ذهب لاستكشاف الفضاء الخارجى باحثا عن ملامح للحياة فى كواكب وأقمار «قريبة»، فإن مصر لا تزال تستكشف تاريخها الذى يظهر يوما بعد آخر أن ما نعرفه عن مصر أقل بكثير مما لا نعرفه. ولحسن الحظ أن الزمن حقق بعضا من التقدم فى هذا الاستكشاف، وفى الوقت الراهن فإن سواحل البحر الأحمر والأبيض وسيناء باتت معروفة للمصريين أكثر من أى وقت مضى، والصحراء الغربية الشاسعة بواحاتها لم تعد ذلك المحيط المجهول والموحش الذى يخاف المصريون من الولوج إليه خشية وخوفا.

المعضلة المصرية ربما لم تعد معرفة مصر بقدر ما هى الربط ما بين المعرفة والحركة السكانية. ومن المدهش أن ١٢ مليونا من المصريين ذهبوا إلى بلاد غريبة فى أوروبا وشمال أمريكا وأستراليا والخليج، بينما كافة المحافظات المصرية الحدودية فى سيناء والصحراء الغربية تعانى من الخفة السكانية. شبكة الطرق النامية فى مصر الآن تعطى بعضا من الأمل فى تجاوز المعضلة لولا أن الشبكة لا تترابط عضويا حتى الآن مع شبكة الإنتاج والسكن والنقل ومصادر الطاقة. هنا فإن التكنولوجيا العالمية تمدنا بوسائل أكثر فاعلية، وأقل تكلفة من أى وقت مضى، فى عمليات تحلية المياه، والطاقة المتجددة، والانتقال السريع، وتكنولوجيا مواد البناء، وكل ذلك لا يقرب المسافات فقط، ولكنه يعطى قدرات أكبر فى تنمية الثروات بكافة أشكالها المادية والمعنوية.

الذى نفتقده فى كل ذلك هو القدرة على التنظيم والإدارة ووضع كل ذلك فى أنساق استراتيجية تتيح التراكم الرأسمالى، ونقل الفكر المتقدم من العالم إلى مصر، وكل ذلك بينما يتميز الإقليم الذى نعيش فيه بعدم الاستقرار، ومصر ذاتها تواجه اختبارا أمنيا كل يوم. المقارنة مع الدول التى تقدمت تقول لنا إن من تقدموا لم يعيشوا ظروفا سهلة، أو أوقاتا هينة، وإنما كان عليهم قبول التحدى الذى لا يعطيهم بديلا آخر للتقدم.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

Previous
Next