Skip to Content

Saturday, August 17th, 2019

السعودية تتغير

Closed
by December 24, 2016 General

ما تمر به السعودية من متغيرات على أصعدة عدة يعتبر مذهلاً، والأكثر ذهولاً هو تعامل الحكومة والشعب مع هذه المتغيرات. لم يكن أكثر المتفائلين في قدرات هذا البلد يحلم بربع ما نراه اليوم من المرونة والاستجابة لهذه التحديات.

لن أتحدث عن التحديات الجيوسياسية لأننا نعرفها جيداً لا سيما وجنودنا وجنود دول التحالف يخوضون الحرب في اليمن ضد الطموحات الإيرانية المتهورة، ولن أتحدث عن اتهام المملكة بدعم التطرف والفكر المؤدي للإرهاب العالمي، وهذا راهن عليه آخرون، والسبب أن قدراتنا الأمنية الخارقة في مواجهة الإرهاب وتحطيم أسطورته الزائفة والوقوف ضد الفكر بواسطة علماء المملكة ومفكريها حظيت بإعجاب العالم بأسره.

الذي أفرح البعض بعد أن تهاوت العوامل السابقة هو الشق الاقتصادي التنموي المتمثل في هبوط أسعار النفط، وما قد يتبع ذلك من ارتباك في الداخل بسبب حدة هذا الهبوط وفي زمن قصير جداً. من هنا برأيي بدأ التغيير على أصعدة عدة على رغم أن العمل على التحول الوطني ورسم رؤية الغد بدأ التخطيط له قبل ذلك، لكن ظروف النفط دفعت به الى الواجهة وبسرعة كبيرة.

أهم ما تمكن الإشارة إليه بالتحول أو التغيير هو الاعتراف بالحاجة إلى بناء اقتصاد منتج عوضاً عن الاقتصاد الريعي الخامل، الذي دأبنا على الأخذ به بسبب وجود كميات النفط الهائلة منذ تأسيس هذه الدولة السعودية الثالثة. التحول إلى اقتصاد منتج يفرض تطبيق المعايير الحديثة على الأداء. الشفافية والمراقبة والمحاسبة والجدوى من كل إنفاق وضبط مداخيل الدولة من الرسوم والضرائب إن وجدت ومتى وجدت. الاقتصاد المنتج يتطلب شراكة كبرى مع القطاع الخاص وبالتالي توفير اللوائح والأنظمة والتشريعات وطرق التحاكم بصورة أوضح وأدق تفصيلاً، ضماناً لإقناع هذا القطاع بالاستثمار في البلاد. هذا التحول يتطلب أيضاً رؤوس أموال أجنبية كبيرة، إذ مهما بلغت استثمارات المواطنين فإنها لن تكفي للوفاء بمشاريع تولد ملايين الوظائف الجديدة المنتظرة. لكن الأجنبي عندما يستثمر هنا فهو بحاجة إلى البيئة النظيفة الخالية من العشوائية والفوضى، التي توفر له نوع الحياة التي يقبل التعايش معها وتشعره بالسعادة لاختيار المكان والزمان.

على مستويات أخرى وحتى تضمن نجاح هذا التحول لبناء قاعدة معرفية سليمة وقوية في آن، تحتاج الدولة وبوتيرة سريعة إلى أن تنقذ التعليم من تخلُّفه وأن تقدم نماذج مختلفة من الخريجين القادرين على القيام بعبء البناء لغد أفضل. التعليم بحاجة إلى غربلة هائلة لا أرى مع الأسف أي ملامح لمثل هذه الغربلة، فالوزير الجديد وحتى الآن لم يقدم جديداً على رغم الآمال التي صاحبت تعيينه. الآمال بالطبع لم تنقطع والوطن ينتظر مثل هذه الخطوات وبالسرعة الممكنة. الخدمات المساندة الأخرى، مثل النقل والاتصالات والصيرفة والضيافة والترفيه وإحياء المجتمع من روتين الخمول بحاجة إلى التركيز، بل إن العمل على ذلك وصيانته هو بحد ذاته استثمار جديد سيخلق فرصاً وظيفية هائلة.

مع إعلان الموازنة السعودية الجديدة للعام ٢٠١٧ يوم الخميس الماضي، وما حملته من أرقام ومؤشرات ومع ما تفضل بشرحه ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لعدد من النخب السعودية في المجتمع قبل الإعلان بيومين، يشعر المرء بالكثير من التفاؤل.

سأشير إلى نقطة بالغة الأهمية من الناحية السيكولوجية وهي إعلان ابتكار «حساب المواطن». المقصود بذلك هو دعم ذوي الدخل المتدني بمبالغ مالية شهرية تساعدهم في دفع فواتير الكهرباء والماء وأسعار الوقود. روعة هذا الابتكار أنه يلغي مقولة «المواطن لا يستطيع أن يتحمل»، وهي مقولة ترسخت في فكر الرعاية الأبوية القائم عليها الاقتصاد الريعي ومنعت الحكومة من تعديل الأسعار في الماضي، ما أدى إلى الهدر الكبير في الطاقة. دفع مبالغ شهرية في مقابل ارتفاع أسعار الخدمات يعني الحرية لدى الحكومة في تطبيق الأسعار العالمية على الوقود ومحاولة وقف الهدر الهائل في استهلاك الطاقة من دون إلحاق الأذى بذوي المداخيل المتدنية. كيف نستمر كأفراد في استهلاك الطاقة بمعدل يفوق أربعة أضعاف المستوى العالمي، هذا مجرد مثال بسيط، أما المنافع الأخرى فتكمن في ارتفاع الوعي والمسؤولية وبناء الفرد القادر على توفير المال وإحسان إنفاقه بلا تهور أو هدر.

التغيير والمرونة التي نتحدث عنها لم تكن لتنجح لولا وجود البنى التحتية المناسبة، ومن أهمها السجلات المدنية والتجارية للمواطنين والمقيمين وللمؤسسات والشركات والتطور المذهل في تكنولوجيا البنوك والاتصالات. المعلومات وتوافرها هو أساس القوة خلف أي تشريعات جديدة. وهذه المنجزات تمت بفضل السعي الحثيث نحو التقدم منذ أن ظهرت هذه العلوم. المملكة بالمناسبة كانت سباقة في الانفتاح نحو التكنولوجيا بدءاً بالبرقيات التي ثار البعض ضدها وتسببت في موقعة «السبلة» قبل أكثر من نصف قرن، وانتهاء بما نعيشه اليوم من هواتف ذكية وشبكات تواصل عالية التقنية. لم يخطر ببال أي مسؤول أن يمنع الفاكس في زمن اختراعه في الثمانينات كما فعل حافظ الأسد على سبيل المثال.

أكثر ما يستحق الرعاية والاهتمام في الحقيقة هو تقبل المجتمع السعودي للانفتاح نحو العالم والتعايش معه، وهذا شرط ضروري لنجاح الخطط القادمة للمحافظة على الأموال في الداخل، فكما أن الرؤية من الناحية النظرية ستعمل على تنويع مصادر الدخل فإن توفير البيئة المناسبة للحياة في المملكة ووجود ذلك حقيقة على الأرض هو الذي سيحافظ على بقاء المال في الداخل. لذلك فالأمل معقود على تطوير سبل العيش من تنظيمات صارمة على النظافة والسلوك العام والمرور والأمن والحقوق، إلى خلق وابتكار وسائل الترفيه المتنوعة التي من شأنها رفع مستويات الإنفاق بالداخل وتدوير رأس المال. لا يكفي أن نزخرف المنزل بجميع أنواع الديكورات ووسائل التبريد لكننا لا نطيق البقاء فيه في أيام العطل المدرسية. هنا أشير إلى ما تعلنه مؤسسة النقد من أرقام مرعبة بمئات البلايين لتحويلات السعوديين والأجانب كل عام بسبب غياب مغريات الإنفاق في الداخل، ومن أهمها مقومات السياحة والترفيه والتسوق.

خلافاً للنهضة المبهرة في سنغافورة قبل عقدين وفي الإمارات العربية المتحدة اليوم، لدى المملكة قيمة تنافسية عظيمة، وهي القوى البشرية بالفئات العمرية المناسبة لتحقيق الرؤى العظيمة التي حملتها رؤية المملكة ٢٠٣٠. شبان وشابات بالملايين لا يريدون أكثر من التحفيز وزرع الثقة وخلق التنافس. الإبداع السعودي اخترق العمل بالمصارف والاتصالات وعلوم التكنولوجيا والتسوق والرياضة والفن والدراما غير أن عدداً من هذه النشاطات لا يزال محاصراً في الداخل تحت حجج واهية ويضطر للترحال خارج الحدود، وبالتالي تضيع المنافع الاقتصادية المرتبطة به.

أختتم بمقولة عالم الأحياء الشهير داروين «ليس الأقوى ولا الأكثر ذكاء هو القادر على البقاء، بل الأكثر قبولاً للتغيير وتقبل الظروف المستجدة». بمعنى آخر ليس الأكثر مالاً ولا الأقوى في البنية الجسمانية والعضلات هو القادر على البقاء، بل الأكثر تقبلاً وتعايشاً مع المتغيرات.

* كاتب سعودي

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

Previous
Next