الملاذات الضريبية كيـــف تتــجنب الشــــركات الضــــرائب ؟ ومـــا الحـــل؟

General
Share Button

جابرييل زوكمان – نيويورك تايمز –
ترجمة قاسم مكي –

تَفقِد الولايات المتحدة، حسب تقديراتي، ما يقرب من 70 بليون دولار من الإيرادات الضريبية بسبب نقل الشركات أرباحها إلى ملاذات ضريبية. (حسب موسوعة انفستوبيديا، الملاذ الضريبي هو بلد يقدم لأفراد أجانب وشركات أجنبية أدنى حد من الالتزام الضريبي في بيئة مستقرة سياسيا واقتصاديا ولا يقتسم أو يقتسم بقدر ضئيل جدا المعلومات المالية مع السلطات الضريبية الأجنبية. ولا يلزم أن يكون بلد الملاذ مقرا لإقامة أو نشاط هذه الشركات وهؤلاء الأفراد – المترجم). يكاد يساوي المبلغ المذكور (الـ70 بليون دولار) حوالي 20% من إيرادات ضرائب الشركات التي يتم تحصيلها في الولايات المتحدة كل عام. هذا التصرف من جانب الشركات، بنقل أرباحها إلى ملاذات ضريبية ، لا غبار عليه من الناحية القانونية. وفي الأثناء، تحتفظ عائلات فائقة الثراء بما يقدر بحوالي 8.7 تريليون دولار أو 11.5% من الناتج المحلي الإجمالي للعالم في حفنة من المخابئ الضريبية خارج بلدانها (في بنوك الأوفشور أو الملاذات). ولا يتم إبلاغ السلطات الضريبية المعنية بمعظم هذه الأموال. لكن هذا التصرف غير قانوني. وتشكل الأرقام المذكورة خسارة ضخمة لموارد كان من الممكن ، في حال تحصيلها، أن تخفِّض الضرائب المفروضة علينا نحن الباقين (الأمريكيين) أو إنفاقها في برامج اجتماعية تساعد الناس في مجتمعاتنا.

كيف يفعلونها؟
لنضرب مثلا لذلك ولن نذهب بعيدا عن شريط بحثكم على الإنترنت (جوجل). ففي عام 2003 وقبل عام من طرح أسهمها للاكتتاب العام، بدأت جوجل (التي هي الآن مجموعة شركات تعرف باسم ألفابيت) سلسلة من التحركات يمكن أن تسمح لها بالحصول على معاملة ضريبية مواتية لها في المستقبل. قامت جوجل ،أولا، بنقل ملكية حقوقها الفكرية المتعلقة بتقنياتها البالغة الأهمية في البحث والإعلان إلى كيان أو شركة باسم «جوجل إيرلندة القابضة». لماذا إيرلندا؟ ليس لأن معدلاتها الضريبية كانت ملائمة لها فحسب، بل سمحت لها إجراءاتها التنظيمية أيضا بتأسيس شركة جوجل إيرلندا القابضة على أراضيها مع بقاء «إدارتها» في برمودا. ثم ، ثانيا، أسست شركة جوجل إيرلندا القابضة بدورها هي الأخرى شركة إيرلندية ثانية تابعة لها هي «جوجل إيرلندا المحدودة» ومنحتها رخصة استخدام التقنية التي صارت تملكها الآن الشركة الإيرلندية الأم. وبموجب هذا الترتيب الذي لا يزال قائما حسب علمنا فإن شركة جوجل المحدودة هي التي في الواقع تمنح ترخيص استخدام تقنية نشاط جوجل الرئيسي للشركات التابعة لجوجل في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا (لدى جوجل شركة فرعية مماثلة في سنغافورة تغطي نشاطها التجاري في آسيا.) فشركة «جوجل فرانس» مثلا تدفع إتاوات (رسوم حقوق استخدام تقنية جوجل الأم) لشركة جوجل إيرلندا المحدودة. ثم، ثالثا، تقوم هذه الشركة الأخيرة بنقل الأرباح إلى برمودة عبر مدفوعات إتاوة لشركة جوجل إيرلندا القابضة. وهكذا تمضي الأمور. وفي عام 2015 تم تحويل أرباح بقيمة 15.5 بليون دولار إلى حساب جوجل ايرلندا القابضة في برمودة على الرغم من أن جوجل لا توظف هناك سوى حفنة من العاملين. وبدا كأنما كل مقيم في هذا البلد- الجزيرة حقق للشركة 240 ألف دولار. أما معدل الضريبة على الأرباح في برمودة فيساوي صفرا. وبفعلها هذا لم تخرق جوجل القانون. فما تفعله الشركات من شاكلة جوجل هو أنها ببساطة تنقل الأرباح إلى بلدان تنخفض فيها الضرائب على الشركات. ولا تفعل ذلك فقط شركات الإنترنت المالكة لحقوق ملكية فكرية قَيّمة. فمثلا قد تنقل شركة سيارات أرباحها بالتلاعب بأسعار صادراتها ووارداتها. إنها تفعل ذلك بتصديرها مكونات السيارة من أمريكا إلى إيرلندا بأسعار منخفضة واستيرادها لنفس هذه المكونات بأسعار مرتفعة (الأسعار في كلا الحالين مختلقة.) وحسب أحدث أرقام متاحة فإن حوالي 63% من كل الأرباح التي حققتها الشركات الأمريكية المتعددة الجنسيات خارج الولايات المتحدة توجد الآن في ستة بلدان بها ضرائب متدنية أو لا تفرض ضرائب أصلا وهي بلجيكا وبرمودا ولوكسمبورج وإيرلندا وسنغافورة وسويسرا. فهذه البلدان تستفيد ولكن قبل ذلك يستفيد حملة أسهم الشركات فيما يخسر الآخرون. لقد جمعنا -أنا وزميلَان- بيانات نشرت بواسطة الملاذات الضريبية حول العالم بهدف تقدير حجم هذه الخسائر. فمبلغ الـ70 بليون دولار الذي تخسره الولايات المتحدة في شكل إيرادات ضريبية كل عام يكاد يساوي كل إنفاق أمريكا على طوابع الغذاء(أو برنامج مساعدات التغذية التكميلية الأمريكي. وهو يقدم قسائم للعائلات المنخفضة الدخل لشراء أطعمة مفيدة غذائيا ومنخفضة التكلفة – المترجم). كما يخسر الاتحاد الأوروبي إيرادات مماثلة.
ما الذي يمكن عمله؟
ما يحمد لإيرلندا إعلانها أنها ستغلق الثغرة التي استخدمتها جوجل. كما أعلنت وجوب إنهاء الترتيبات التي تستفيد من ميزة تلك الثغرة بحلول 2020. ولكن سيتم استخدام استراتيجيات شبيهة طالما تركنا الشركات تختار الموقع الذي تودع فيه أرباحها. فقط انظروا ماذا فعلت شركة آبل في عام 2014. لقد كان هذا أحد أكثر الوقائع إثارة من بين ما كشفت عنه وثائق برادايس التي نشرت مؤخرا. فبعد أن علمت شركة آبل أن السلطات الإيرلندية ستقوم بسد الثغرات التي استغلتها طلبت من شركة محاماة مقرها برمودا واسمها «آبلبي» تصميم مخبأ ضرائبي شبيه في جزيرة جيرزي بالقنال الإنجليزي والتي لا تفرض ضريبة على دخول الشركات. أوفت ابلبي بما هو مطلوب منها وصارت جيرزي الموطن الجديد لشركتي آبل العالمية للمبيعات وآبل العالمية للعمليات (اللتين كانتا إيرلنديتين في السابق.) يوجد حل محتمل لهذا المشكلة وهو تخصيص الأرباح الخاضعة للضريبة التي تحققها الشركات المتعددة الجنسية على نحو يتناسب مع حجم مبيعاتها في كل بلد. لنفترض أن شركة آبل الأم «ألفابيت» حصلت على أرباح بقيمة 100 بليون دولار عالميا وأن 50% من مبيعاتها تمت في الولايات المتحدة (كان هنالك سيناريو شبيه بذلك في الربع الأول من هذا العام حيث بلغت هذه النسبة 48%). في هذه الحال ستكون هنالك ضريبة على 50 بليون دولار في الولايات المتحدة بصرف النظر عن مقر الأصول المعنوية لشركة آبل (حقوق الملكية الفكرية للشركة وسمعتها وشهرة علامتها التجارية- المترجم) أو مكان توظيف عامليها. وفي الواقع يحكم نظام شبيه بذلك الضرائب الولائية على الشركات في أمريكا. من شأن مثل هذا الإصلاح القضاء على ظاهرة التحويل الزائف للأرباح. ربما سيكون بمقدور الشركات، رغم ذلك، نقل أرباحها وأصولها وفروعها من مكان إلى آخر. ولكنها لن تستطيع نقل كل زبائنها إلى برمودة . هذا النظام غير مثالي ولكنه أفضل من القانون الذي يحكم الآن الضريبة على الأرباح العالمية ومن حزمة الضرائب التي يقترحها أعضاء الكونجرس الجمهوريون. فبموجب الخطة المقترحة (في الولايات المتحدة) سيتم فرض ضريبة على بعض الأرباح العالمية بنسبة 10% لكن يوجد في الخطة العديد من الاستثناءات المتوقعة. إحدى ميزات تخصيص الأرباح الخاضعة للضريبة الذي أشرت إليه أعلاه أن الإصلاح يمكن تبنيه من طرف واحد. فالولايات المتحدة ( أو أي بلد آخر يريد تقليص تجنب الضريبة) ليست بحاجة إلى الحصول على إذن من أية جهة. ولكننا لا نزال نواجه مشكلة عويصة بنفس القدر وهي التهرب الضريبي الأكثر خفاء ( وغير القانوني ) من جانب أفراد فاحشي الثراء تعززت ثروات بعضهم بما حصلوا عليه سلفا من تجنب الشركات سداد ما عليها من ضريبة. (التجنب الضريبي يختلف عن التهرب الضريبي. حسب موسوعة انفستوبيديا، يقصد بالتجنب الضريبي استخدام طرق قانونية لتعديل الوضع المالي للفرد أو الشركة بقصد خفض ضريبة الدخل المطلوب سدادها. أما التهرب الضريبي فهو استخدام وسائل غير قانونية مثل إبلاغ سلطات الضرائب بمبلغ أقل من الدخل الحقيقي لتجنب سداد الضريبة المفروضة – المترجم). لتوضيح ذلك دعونا نلتقي برئيس تنفيذي نفترض أن اسمه مايكل لشركة أمريكية نطلق عليها اسما افتراضيا هو «مايكل وشركاؤه». سيرغب مايكل مثله مثل أناس عديدين سداد أقل قدر ممكن من الضرائب. ولكنه، على خلاف معظم الناس، في مقدوره القيام ببعض الخطوات التي ستمكنه من أن يفعل ذلك بالضبط . فهو أولا سيوجد شركة «واجهة» مجهولة ويسجلها في جزر كيمان التي لديها إجراءات تنظيمية تفتقر إلى الصرامة فيما يتعلق بالكشف عن هويات مالكي الشركات. بعد ذلك سيفتح مايكل حسابا باسم هذه الشركة «الواجهة» في قبرص (أو في أي من الملاذات الضريبية الأخرى) مثل سويسرا أو هونج كونج أو بنما. وهي بلدان تخدم مصارفها الأثرياء ولا يعتمد على تعاونها مع سلطات الضرائب الأجنبية. ثم أخيرا تشتري شركة مايكل وشركاؤه خدمات مختلقة (وهمية) من الشركة الواجهة في جزر كيمان (خدمات استشارية مثلا.) ولكي تسدد ثمن هذه الخدمات الوهمية سترسل أموالا إلى حساب الشركة الواجهة في قبرص. ستنتج عن هذه المعاملة (المصطنعة) أوراق (وثائق) تجارية يمكن أن تبدو مشروعة من أول وهلة. ولكن الحقيقة أكثر مكرا. فمايكل من خلال سداده أموالا مقابل استشارات وهمية يقلل عن طريق الغش من حجم أرباح شركته (مايكل وشركاؤه) الخاضعة للضريبة ويقلص بالتالي من مبلغ الضريبة الذي يدفعه. ثم بمجرد وصول الأموال المحولة إلى قبرص يتم استثمارها في الأسواق المالية الدولية وتولد دخلا لا يمكن لإدارة «خدمات الإيرادات الداخلية الأمريكية» فرض ضريبة عليه إلا إذا أفصح مايكل عنه أو أخطرها به مصرفه القبرصي. ومن المفترض أن يفعل المصرف ذلك .لكن العديد من بنوك الأوفشور ظلت تنتهك التزاماتها باستمرار في الماضي من خلال التظاهر بأنها لا يوجد لديها عملاء أمريكيون أو بإخفائهم خلف شركات وهمية. وهكذا يتمكن مايكل بهذه الطريقة من تجنب ضريبة الدخل الفيدرالية الأمريكية وكذلك دفع ضرائب أقل عبر شركته. وفي الأثناء، إذا كان يريد أن يستخدم داخل أمريكا أيا من أمواله المودعة في قبرص فيمكنه ببساطة الذهاب إلى أقرب جهاز صرف آلي والسحب من حسابه في الخارج (الأوفشور).
كيف نعرف كل هذا؟
حتى وقت قريب لم تكن لدينا معرفة جيدة بمن يملك الثروة المودعة في ملاذات الأوفشور. لكننا استطعنا أنا وزميلان تحقيق تقدم في هذا المجال بفضل التسريبات التي شهدناها في السنوات القليلة الماضية. ففي عام 2015 كشفت تسريبات سويسرا (سويسلِيكس) عن أصحاب حسابات مصرفية ببنك «إتش إس بي إس سويسرا». وفي عام 2016 رفعت وثائق بنما الغطاء عن أصحاب الشركات الوهمية التي تؤسسها شركة الخدمات القانونية البنمية «موساك فونيسكا». أوضحت تلك الوثائق أن 50% من الثروة المودعة في الملاذات الضريبية خاصة بعائلات لدى كل منها ثروة صافية تفوق الـ 50 مليون دولار. وهو رقم ضئيل جدا مقارنة بذوي الثروات الفائقة الذين يتجنبون سداد حصصهم العادلة من الضريبة. وفي وثائق برادايس (التي كشف عنها مؤخرا) يتضح أن هؤلاء ليسوا فقط أوليجارشيين روس أو أطباء أسنان بلجيكيين ولكنهم أيضا أثرياء أمريكيون. وكما ذكرت فإن حوالي 11.5% من الناتج المحلي الإجمالي للعالم تحتفظ به عائلات في حسابات بمصارف الأوفشور. ولفترة طويلة كان معظم هذه الأموال يودع في سويسرا . لكن قسما متزايدا منها باطراد يحتفظ به الآن في هونج كونج وسنغافورة وملاذات جديدة أخرى. نحن في مقدورنا وقف التهرب الضريبي في ملاذات الأوفشور بتسليط بعض الضوء على الأركان الأشد إعتاما في الصناعة المصرفية العالمية. وأفضل طريقة لذلك هي إيجاد سجلات شاملة يتم فيها تدوين الملاك الحقيقيين للعقارات والأوراق المالية بما في ذلك الأسهم والسندات وحصص صناديق الاستثمار. نعم من بين الاعتراضات الشائعة على السجلات المالية أنها تعتدي على الخصوصية. لكن مختلف البلدان ظلت تحتفظ بسجلات ملكية للأراضي والعقارات منذ عقود. ومن الخطأ الاعتقاد بأن استحداث سجل للثروة المالية يشكل مفارقة جذرية لما هو سائد ومعتاد. إن فوائده ستكون عظيمة. فالسجلات الشاملة ستجعل من الممكن ليس فقط تقليل التهرب الضريبي ولكنها أيضا تُحِدُّ من غسيل الأموال وتراقب تدفقات رأس المال العالمي وتحارب تمويل الإرهاب. كما ستكون مقياسا أفضل لعدم المساواة. ويقع العبء هنا على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. لماذا نسمح للمجرمين والمتهربين من سداد الضرائب وسوى هؤلاء باستخدام أسواقنا المالية والعقارية لغسيل ثرواتهم؟ إن الشفافية هي الخطوة الأولى لضمان عدم تهرب الأثرياء من المساهمة في ما يخدم الصالح العام.

الكاتب أستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا بيركلي ومؤلف كتاب «ثروة الأمم المخفيَّة»