Skip to Content

Wednesday, August 21st, 2019

تحية لوزير تربية شُجاع يُفكر خارج الصندوق!

Closed
by September 22, 2017 General

رغم أنه كان أستاذاً فى نفس الجامعة التى عملت فيها أربعين سنة، إلا أننى لم أتشرف بلقاء شخصى مع الدكتور طارق جلال شوقى، الذى عُين فى آخر تعديل للحكومة، وزيراً للتربية والتعليم. ولأن التربية والتعليم فى نظر هذا الكاتب هى أهم الوزارات، فقد تابعت عن كثب تصريحات وقرارات الوزير الجديد. واسترعى انتباهى منذ بداية عهده فى تِلك الوزارة أنه أتى بمفاهيم ومُمارسات جديدة. وهى مفاهيم ومُمارسات تتفق مع الاتجاهات العالمية الأكثر تطوراً.

ومن سابق خبراتى مع وزراء تربية سابقين، ومع العاملين فى تِلك الوزارة، فقد أشفقت على د. طارق شوقى من بيروقراطية تِلك الوزارة، والتى تضم حوالى رُبع العاملين فى أجهزة الدولة المصرية. فهى بمثابة حاملة طائرات، بينما بقية الوزارات هى بمثابة سُفن خفيفة أو متوسطة الحمولة، رغم أن بعضها يُطلقون عليها وزارات سيادية- مثل الداخلية والدفاع والخارجية والمالية.

من المفاهيم والمُمارسات الجديدة التى نجح الوزير فى تطبيقها، تلك الخاصة بما يُطلقون عليه التوليف، الأسئلة المُتعددة والمتنوعة فى امتحانات نفس الفِرقة الدراسية، والتى تختبر فعلاً قُدرات الطالب على الفِهم والتحصيل والتحليل، لا على الحفظ والاسترجاع الآلى. ذلك فضلاً على أن نظام الاختبارات الجديد يُقلّص، إذا لم يمنع، احتمالات الغش الفردى أو الجماعى.

ومِثل كل جديد، كان ثِمة تحفُظ، أو مُمانعة، أو مُعارضة لنِظام الانتخابات الجديد. ولكن مُثابرة وتصميم الوزير نجحا فى تطبيق النِظام الجديد. وأعتقد أنه إذا كُتب للوزير أن يظل فى موقعه سنة أو سنتين أخريين، فسيكون قادراً على تحديث، إن لم يكن تنوير نِظام التعليم المصرى، بعد طول عَناء وانتظار وتعثر خلال النصف قرن الأخير، منذ أطلق طه حسين عبارته الشهيرة بأن «التعليم يتألف من طالب حُر وأستاذ حُر».

وتُغرينى قُدرات واستعدادات الوزير الجديد على أن أقترح عليه تكوين لجنة للنظر فى إمكانات وتكاليف تحويل كل التعليم العام بعد المرحلة الابتدائية، فى المرحلة قبل الجامعية، إلى تعليم فنى مِهنى.

فما حيثيات هذا الاقتراح؟

1- أتذكر أنه منذ مرحلة دراستى الثانوية فى أواخر خمسينيات القرن العشرين، أن بِعثة ألمانية زارت ودرست نِظام التعليم فى مصر فى ذلك الوقت، وكان ضمن توصياتها أن ما ينقص قوة العمل فى مصر هو الكوادر المِهنية الوسيطة، بين فئة العمالة اليدوية والماهرة من ناحية، وفئه المُهندسين والأطباء والجيولوجيين والكيماويين والمُحاسبين من ناحية أخرى.

2- لم تنجح مدارسنا ولا حتى معاهدنا المِهنية المتوسطة فى الزراعة والتِجارة والصناعة والتكنولوجيا فى التغلب على عُقدة الرغبة فى الشهادة الجامعية، التى ظلّت فى الخيال الشعبى المُعاصر عنواناً للأبّهة والاحترام والزواج اللائق. لذلك كثيراً ما كانت تتصاعد الضغوط بين أهالى وطُلاب المعاهد المِهنية، التى ساعدتنا حكومات أوروبية على تأسيسها، إلى إعادة تسميتها بكليات ثم بجامعات، بصرف النظر عن المستوى الكيفى للتعليم فى تِلك الكليات الجامعية، أو لصلاحية خريجيها لسوق العمل.

3- وكانت النتيجة أنه أصبح لدى مصر حوالى ثلاثين جامعة، بدلاً من ثلاثة. ولكن ليس بين تِلك الجامعات الثلاثين ما تظهر فى تصنيف أفضل خمسمائة جامعة على مستوى العالم. فالمطلوب هو التوقف عن إنشاء أى جامعات أو معاهد عُليا جديدة، والتركيز على تحسين جودة الجامعات والمعاهد العُليا الموجودة بالفعل.

4- وحين يقول البعض إن مسألة من المسائل، هى أمن قومى، أو ينبغى أن تكون كذلك، فإن أولى المسائل بهذا التوصيف هى مسألة التربية والتعليم.

5- وحيث إن كل مُحاولات تشجيع الشباب على الالتحاق بالتعليم المِهنى بعد إتمام الإعدادية، قد حققت نجاحاً محدوداً، أو حتى فشلت تماماً، فإننا نقترح أن يكون كل التعليم فى المرحلتين الإعدادية والثانوية تعليماً مِهنياً. ويعنى ذلك أن يتلقى كل تلميذ نفس المناهج النظرية والعملية والمِهنية. وهذا يعنى أنه ابتداءً من السابعة عشرة أو الثامنة عشرة يكون قادراً ومؤهلاً لدخول سوق العمل، أو الالتحاق بالتعليم الجامعى، الذى يرغبه فى ذلك العام، أو خلال الأعوام التالية، طالما تنطبق عليه الشروط، أو باستحداث امتحان مُسابقة موحد، على طراز الاختبار الموحد للقُدرات standard Achievement Test (SAT)، الذى تعتمده معظم جامعات العالم، خاصة فى الولايات المتحدة وبُلدان الاتحاد الأوروبى.

وكنا قد اقترحنا شيئاً مُقارباً من ذلك على وزير شُجاع آخر قبل ثلاثين عاماً، وهو الراحل د. حسين كامل بهاء الدين. ولكن ثمانين عضواً فى مجلس الشعب، اتضح أنهم جميعاً كانوا من الإخوان المسلمين، شنّوا على الرجل حملة شعواء، مُتهمين إياه بأنه يُريد «أمركة» نِظام التعليم فى مصر. فخصّه الرئيس مُبارك، وقتها، بسحب خطته مؤقتاً.

ونحن حينما نقترح على الوزير طارق شوقى ما اقترحناه أعلاه، فليعلم أنه معمول بنظام مُشابه فى ألمانيا وعِدة بُلدان فى شرق آسيا، من تِلك التى أصبحت فى خلال عشرين سنة من تطبيقه فى عِداد الدول الأسرع نمواً، وأطلق عليها خُبراء التنمية وصف «النمور الآسيوية» (Asian Tigers). وهى كوريا وسنغافورة وهونج كونج وماليزيا وتايلاند وإندونيسيا. وهى الآن ضمن البُلدان العشرين الأولى فى تصنيف برنامج الأمم المتحدة للتنمية United Nations Development Program (UNDP).

وهنا لابُد أن نُذكّر الوزير المُبدع بأن فِكرة مجّانية التعليم طرحها وزير سابق هو طه حسين عام 1950، وإن لم تتحقق إلا بعد ذلك بِعدة سنوات. وهذا هو شأن كل جديد فى الحياة العامة. وكما تقول عالمة الأنثربولوجيا الشهيرة، مارجريت ميد Margaret Mead، «إياكم أن تستهينوا بفِكرة جديدة يطرحها فرد أو عِدة أفراد شُجعان، فتِلك هى ولاتزال السبيل الوحيد للتقدم.. وتلكم هى الطريقة التى تغيّر بها العالم عبر العصور والأزمان».

فليطرح د. طارق شوقى فِكرة تمهين (من تعليم مِهنى) مرحلتى الإعدادى والثانوى، أى كل سنوات ما قبل التعليم الجامعى. وليكن مُستعداً لمعركة حامية الوطيس، لابُد أن جِلده الآن سيتحمل ما لم يتحمله أحد أسلافه قبل ثلاثين عاماً. وعزاؤه أنه يعمل مع رئاسة أكثر اقتحامية من رئاسات سابقة.

وعلى الله قصد السبيل.

semibrahim@gmail.com

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

Previous
Next