Skip to Content

Friday, December 13th, 2019

حديث لا يموت مع مفكر مات

Closed
by August 28, 2017 General

هل تريد أن تعرف موجز تاريخ سيراليون المعاصر؟.. سأقولُ لك: إنها ثلاثُ حقب: حقبة الحرب الأهلية، حقبة الكوليرا، حقبة الإيبولا.. والآن تجْمع سيراليون أحزانها بعد موت المئات فى أوحال الانزلاقات الطينية.. وهى الانزلاقات التى جاءتْ لتضيف طبقةً جديدةً إلى جبل المأساة.. فى ذلك البلد الغنى جدًا والفقير للغاية!

(1)

تقع سيراليون- الصديقة لبلادنا- فى غرب أفريقيا، وتقع عاصمتها «فريتاون» على ساحل المحيط الأطلسى.. يعيش الملايين السبعة من سكانها على مساحة تزيد على مساحة مملكة بلجيكا.

يقول مؤرخون إن رحالة برتغالى هو من أطلق اسم «سيراليون».. و«سيرا» بمعنى القمة و«ليون» بمعنى الأسد.. ذلك أن صوت الرياح عند قمم الجبال يشبه زئير الأسد.

لم يكن تاريخ سيراليون قريبًا من «قمم الأسد».. بل كان حقًا «قمم الألم».. من احتلال بريطانى.. إلى اضطرابات وحروب.. إلى أمراض وأوبئة.. فى بلد يتمدّد فيه الثراء على امتداد البصر!

إن المرء ليتعجب كيف أصبحت دولةً رائعةً ساحرةً تمتلئ بكل شئ.. فوق الأرض وتحت الأرض.. كيف أصبحت من أكثر الأماكن بؤسًا فى العالم؟

(2)

فى سيراليون أكبر مناجم الماس فى العالم.. ومن مناجمها خرجت أكبر قطعة ماس، والتى قاربت الألف قيراط. وفيها أيضًا.. مناجم ذهب عديدة.. ويستخرج بعض السكان الذهب من فناء المنزل حيث يشرعون فى الحفر بالأيدى.. وفيها أيضًا البلاتين والنفط.. كما أن فيها مناجم حديد كبرى حيث يقبع فى أراضيها ثالث أكبر احتياطى حديد فى العالم.

إن الماس والذهب والبلاتين والحديد والنفط.. تتزاحم بالقرب من مواقعها.. مناجم لأكثر من عشرين معدنًا آخر!

ثمة غابات وزراعات.. ومحاصيل وأخشاب.. وكلها وسط طبيعة رائعة ومياه ساحرة. لكن سيراليون الغنية هذه.. لا يظهر فيها أى أثرٍ للرخاء.. ولا حتى قواعد الحياة.. هناك فقر شديد يجثم على نفوس الملايين، ويعيش أكثر من نصف السكان فى منازل بلا مرحاض مستقل، ويوجد طبيب واحد لكل أربعين ألف نسمة.

ما الذى جرى؟.. من الذى قام بتخريب هذا الوطن الخلاّب وجعله على هذا النحو المروِّع؟!

الفاعل ليس مجهولاً، والجريمة ليست غامضة.. إنّه الاستعمار.

(3) لقد شاهدتُ محاضرةً باهرةً لأستاذة الاقتصاد السيراليونيّة «مالينس ويليامز». درست «مالينس» فى باريس ولندن وسنغافورة.. وهربتْ من الحرب الأهلية فى بلادها ثم عادت لتساعِد وطنها من جديد.. وفى منتدى أوروبى عُقد فى ألمانيا شرحتْ «مالينس» حقيقة ما جرى.

يمكننا إيجاز «نظرية مالينس» على النحو التالى: الغرب يريد الماس والمناجم.. الغرب يشعل الفتنة من أجل أن يعمل فى أجواء انقسام.. الغرب يدفع الفتنة إلى حافة القتال.. الغرب يرعى الحرب الأهلية.. الغرب يمنع نهايتها ويطيل أمَدَها قدر الإمكان.. الشعب يهرب أو يموت والغرب يأخذ الماس والذهب.. الغرب يدفع للمقاتلين ليعملوا معه فى الاستخراج والتهريب.. تقوم المصالح بين أطراف الحرب الأهلية جميعًا وبين الغرب.. الماس مقابل السلاح.. الماس للغرب والسلاح للشعب.. المحال الفاخرة والحفلات الساهرة هناك، والمقابر الجماعية وصدقات الصليب الأحمر هنا.. هى معادلة سهلة صاغها الغرب: لنا المناجم ولهم الدماء!

كان طبيعيًا والحال كذلك.. أن يهرب الناس.. وأن يتزاحموا فى ملاذاتٍ شبه آمنة.. وحيث لا إمكانات للحياة.. ولا مرافق للاستخدام.. كانت حقبة الكوليرا.. ثم جاءت حقبة الإيبولا.

تقول «مالينس».. إن المنظمات الإنسانية تأتى إلينا.. لتُظهِر سيراليون بأنها دولة فقيرة مريضة ضائعة ولا أمل فيها.. لتخلق الإحباط واليأس فى قلوب الناس، وتقتل الكرامة والأمل لدى الأجيال الجديدة.

يأخذ الغرب الماس، ويرسل المنظمات الإنسانية. يذهب المال.. وتبقى قطع من القطن الطبى وحشدٍ من كاميرات التصوير.. يرى العالم.. ماذا يفعل الغرب من الخير وماذا يقدم من المساعدة؟.. يأخذ الغرب كل شىء.. ويرسل ضمّادات الجروح.. إن «مالينس» محِقّة للغاية حين تقول: إن المنظمات الإنسانية الغربية هى جزء من المؤامرة.

(4) يمكن أن نرى ذلك المنطق سائدًا.. فى دولٍ أخرى.. وفى جغرافيّات عديدة.. يمكنك أن تلحظ- بجلاء- تلك المعادلة التى مضَى بها الاستعمار القديم ويمضى بها الجديد.. استراتيجية «الحرب والنهب».. ذلك أن المجتمعات المتماسكة القوية.. لا حلّ معها إلاّ علم الاقتصاد.. الصادرات والواردات. أمّا حين يسود الانقسام ويتحوّل الخلاف إلى دمّ.. وتنطلق الحرب الأهلية ليكون «الوطن ضد الوطن».. هنا يسقط علم الاقتصاد.. لا صادرات ولا واردات.. هنا يصعد «علم الاستعمار»: الثروة من دون مقابل، والنصر من دون حرب!

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

Previous
Next