Skip to Content

Friday, August 23rd, 2019

درس بوتين

Closed
by December 17, 2017 General

كنت فى دبى، فى شهر مايو الماضى، لحضور فعاليات مؤتمر إعلامى، حين التقيت فى الفندق مواطناً روسياً يقضى عطلة مع عائلته الصغيرة، حيث دار بيننا حديث، علمت منه أنه رجل أعمال، وأنه زار مصر كثيراً، خصوصاً شرم الشيخ، التى أمضى فيها «أجمل الأوقات»، بحسب وصفه.

سألت رجل الأعمال الروسى عن السبب الذى منعه من قضاء عطلته هذه المرة فى شرم الشيخ، حيث الأسعار أرخص بكثير، والطقس أفضل بكثير، فأجاب بوضوح: «لأن بوتين منع السفر إلى مصر.. وحين يأذن سأعود».

لا يمكن الاستدلال على شعبية بوتين بكلام هذا السائح الروسى بكل تأكيد، كما أنه من المعلوم أن ثمة معارضة للرجل، وأن نقاده يكيلون له الاتهامات بالاستبداد والديكتاتورية، ومع ذلك، فإن أحداً لا يشكك فى أمرين؛ أولهما أن لبوتين شعبية مؤثرة، وثانيهما أنه حقق إنجازات ملموسة خلال فترات حكمه المتعاقبة.

يحظى الرئيس بوتين بشعبية كبيرة بين قطاعات مؤثرة من الجمهور الروسى بطبيعة الحال، أو هذا على الأقل ما تخبرنا به استطلاعات رأى موثوقة، ونتائج انتخابات يفوز بها الرجل، ولا يتم التشكيك فى نزاهتها، فضلاً عن تصدّره الكثير من الاستفتاءات الإعلامية لأكثر الأشخاص تأثيراً وجماهيرية، سواء داخل بلاده أو خارجها. ورغم أن الأوضاع الاقتصادية فى روسيا ليست على ما يرام، والعملة الوطنية تعانى تدهوراً أمام الدولار الأمريكى، وعجز الموازنة متفاقم، ونسب البطالة والتضخم مرتفعة، فإن أى مقارنة بين تلك الأوضاع ومثيلاتها قبل وصول بوتين إلى الحكم تصب فى مصلحته بكل تأكيد. ليست الإنجازات الاقتصادية هى أفضل ما يمكن أن يفخر به الرئيس بوتين، حين يستعرض سجل خدمته خلال السنوات التى خدم فيها رئيساً للوزراء، ورئيساً للجمهورية اعتباراً من نهاية التسعينات الفائتة، ومع ذلك، فقد حافظ على قوام الدولة الاقتصادى، ولم يسمح بانهيارها، وحقق تقدماً ملموساً قابلاً للقياس.

لكن الإنجازات الكبيرة التى لا يمكن إنكارها تحققت فى مجال السياسة الخارجية، وهى إنجازات يمكن أن تمثل خسائر لدول أو أقاليم أخرى، كما يمكن تفسيرها على أنها انتهاكات أو اعتداءات على سيادة دول أخرى، لكنها على أى حال تحقق المصلحة الوطنية من وجهة النظر الروسية.

لقد أعاد بوتين روسيا إلى مركزها كأحد الأقطاب العالمية المؤثرة والمحورية فى صنع السياسات الدولية، وباتت موسكو فى عهده لاعباً رئيساً ورقماً لا يستهان به فى منازلات السياسة الدولية، رغم تراجع الكتلة الحيوية لها، مقارنة بسلفها الاتحاد السوفيتى السابق. يمكن ضرب عديد الأمثلة على براعة بوتين فى مجال السياسة الخارجية، وقدرته الفذة على توظيف الإمكانيات التى تملكها بلاده، لتحسين مركزها التنافسى الدولى، وتعزيز نفوذها فى الأقاليم المختلفة، لكن يظل المثل السورى أكثر الأمثلة وضوحاً فى هذا الصدد.

فى الأسبوع الماضى، زار بوتين منطقة الشرق الأوسط، حيث تنقل بين ثلاث دول فى يوم واحد، فالتقى الرئيس السيسى فى القاهرة، حيث تم توقيع اتفاقية الضبعة النووية، وترتيب إجراءات عودة الطيران الروسى إلى مصر، ثم انتقل إلى سوريا، حيث تفقد قاعدة عسكرية لبلاده هناك، واستدعى الرئيس بشار الأسد ليعقد اجتماعاً معه، قبل أن يغادر إلى تركيا، ليلتقى الرئيس أردوغان، ويبحث معه سبل تعزيز العلاقات بين البلدين، وبعض المسائل الإقليمية والدولية. يريد «بوتين» أن يبرهن على جاهزيته البدنية والذهنية لخوض غمار الانتخابات الرئاسية المقررة فى مارس المقبل، كما يريد أيضاً أن يوضح لجمهوره فى الداخل والخارج أن عالمه، ونطاق تأثيره يتسع بشكل مطرد.

قبل أكثر من عامين، بدأ الإعلام الغربى فى شن حملة عدائية شديدة ضد بوتين، حيث اتهمه بكل الاتهامات التى يمكن أن توجه إلى حاكم.

ومن بين صور الاستهداف المتعددة لهذا الرئيس، أطلق باحثون غربيون مصطلح «البوتينزم»، وجرى التنظير له، لكى يكون بمنزلة «وصفة للديكتاتورية والهيمنة». وشنت وسائل إعلام ومراكز بحوث وسياسيون أمريكيون هجمات متتالية ضد بوتين عشية الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، وغداتها، باعتبار أن موسكو تدخلت فى مسار تلك الانتخابات، وأنها لعبت دوراً فى ترجيح كفة ترامب.

لو كان هذا الاتهام بالذات صحيحاً، لأضاف إلى صورة بوتين المزيد من البريق، إذ كيف يتسنى لدولة تعانى من مشكلات اقتصادية وسياسية عميقة، ولزعيم يضعفه استبداده ونزقه، أن يتمكن من التأثير فى مسار العملية الانتخابية فى أقوى دولة فى العالم، إلى درجة أنه بات قادراً على التلاعب بإرادة الأمة الأمريكية فى اختيار من يحكمها؟

لا يبدو أن كثيراً من الاتهامات التى وجهها الإعلام الغربى والدوائر السياسية فى الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا لبوتين حقيقى على أى حال، وربما يكون معظم تلك الاتهامات مصطنعاً بهدف الإضرار بمركز الرجل وصورته الذهنية، ومن ثم تقويض نفوذه وإضعاف تأثيره.

وفق آخر استطلاعات الرأى التى أجريت فى روسيا الاتحادية، فإن بوتين لن يجد أى صعوبة فى الفوز بمنصب الرئاسة مجدداً، ورغم وجود عدد من المنافسين له فى تلك الانتخابات، فإن أحداً منهم لا يمتلك حظوظاً كافية لمقارعته.

وعلى الصعيد الدولى، فإن كل تلك الاتهامات والانتقادات تناسبت طردياً مع صعود النفوذ الروسى، الذى انعكس فى تعزيز العلاقات مع بعض دول العالم المهمة، وإنفاذ إرادة موسكو فى البلقان، وسوريا، ووجودها الواضح والمعتبر فى معظم المشكلات ذات الطابع الدولى.

يمكن القول إن الرئيس بوتين، كما تؤكد مراكز استطلاعات الرأى، والمجلات الشهيرة، وصناديق الانتخاب، وحقائق السياسة الدولية، رجل قوى ومؤثر بما يكفى، لكى يعيد لبلاده دورها العالمى، ويحسّن حظوظها فى المنافسات الدولية.

لكن السؤال الذى يثور الآن: كيف حقق بوتين هذا التقدم دون أن يكون ديمقراطياً على الطريقة الأمريكية أو البريطانية أو الفرنسية؟، وهل يمكن أن يتحقق التقدم خارج إطار الوصفة التقليدية للعالم الغربى؟

لكى تتم الإجابة عن هذين السؤالين يجب استعراض بعض تجارب التقدم التى شهدها العالم فى نصف القرن الأخير، حيث سيظهر أن عدداً من هذه التجارب ازدهر فى مجتمعات لم تعرف الطريقة الغربية فى التنمية السياسية والاقتصادية، ولم تتبع النموذج الليبرالى الغربى بالضرورة فى خططها التنموية والإصلاحية.

لقد جرى التغيير، وحدث النمو، وأُحرز التقدم فى ماليزيا، وسنغافورة، وتركيا، والصين، دون ديمقراطية غربية، ودون مساندة ومديح أمريكى فى بعض الأحيان.

الديمقراطية ليست هدفاً فى حد ذاتها، ولكنها طريقة لإدراك الهدف، والحكم غير الديمقراطى ليس وصفة فشل فى كل الأحوال، لكنه أكثر قابلية لزرع الاستبداد، الذى يخفى عيوب الأداء، ويقود إلى السقوط.

ما فعله بوتين أنه امتلك رؤية واضحة وإرادة قوية ومهارات كافية لتغيير واقع بلاده إلى الأفضل، وحقق إنجازات ملموسة فى هذا الصدد، وبسبب هذه الإنجازات بات نقاده فى وضع صعب وأقل قدرة على الإقناع، كما زاد مؤيدوه.

الديمقراطية مطلب حيوى، يقل الطلب عليه حين يتحقق الإنجاز الملموس، وفى غيبة الاثنين يأتى الاستبداد الأعمى، وهو استبداد لا مستقبل له.. هذا هو درس بوتين.

Previous
Next