Skip to Content

Wednesday, October 23rd, 2019

د.عبد المنعم سعيد

Closed
by April 25, 2017 General

قدر البنك الدولى معدل النمو للناتج المحلى الإجمالى فى مصر العام الحالى 2017 بمقدار 3.9%، على أن يرتفع فى العام المقبل إلى 4.6% عام 2018. صندوق النقد الدولى كان أكثر محافظة عندما قدر النمو فى العام الحالى عند 3.5%، واستمرت نفس المحافظة فى تقديرات العام المقبل أيضا. الأخبار الطيبة فى ذلك هى أنه رغم كل الظروف الصعبة، الأمنية وغير الأمنية،

فإن الاقتصاد المصرى مستمر فى النمو وبمعدلات أعلى نسبيا من العامين السابقين اللذين كانا 3٫4 % لعام 2014/2015 و 2٫3 % لعام 2015/2016 وفقا لأرقام الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء. ولكن الأخبار غير الطيبة هى أن التوقعات سواء من البنك أو الصندوق أقل من التوقعات المصرية التى تتعدى 4%، ولكن الأهم من مدى صدق التوقعات، أن كلها تدور فى العام الحالى والمقبل حول الرقم المتواضع 4% الذى يجعل هناك استحالة فى تحقيق التقدير المطلوب فى استراتيجية التنمية المستدامة (رؤية مصر 2030)، وهو 10% معدل نمو حقيقى فى عام 2020. الخبر السيئ فى كل ذلك هو أنه رغم ما يبدو من أن مصر كلها تحولت إلى ورشة عمل كبيرة بامتداد القطر طولا وعرضا وشمالا وجنوبا، ورغم كل المشروعات العملاقة، ورغم كل جهود القوات المسلحة؛ فإن معدل النمو لا يزال متواضعا للغاية، ومن ثم فإن اختراق الصعاب الراهنة فى الاقتصاد من تضخم وبطالة وتراجع فى قيمة العملة الوطنية لن يتغير خلال المستقبل المنظور.

أعرف أن كثيرا من الخبراء لا يعولون كثيرا على معدل النمو، ويركزون أكثر على توزيع العائد، والتنمية الشاملة التى تصل إلى الجميع، ولكن كل ذلك لا يمكن تحقيقه إلا إذا كان الاقتصاد ينمو بمعدلات مرتفعة. المشكلة الأكبر أن ذلك يعنى أن هناك خللا هيكليا فى إدارة الاقتصاد القومى يجعل النمو ساريا فى قطاعات مثل التشييد والبناء، بينما يتراجع فى قطاعات أخري، فتكون هناك إضافات فى ناحية، وخروج من السوق الاقتصادية كلية فى ناحية أخري. لاحظ هنا أن لدى مصر خللا هيكليا منذ البداية يتعلق بالمساحة الكبيرة التى يشغلها الاقتصاد غير الرسمى والتى يتراوح التقدير فيها ما بين 35% و 50%. مثل هذا الاقتصاد باعتباره غير رسمى فإنه من الصعب قياس المقدار الذى يضيفه إلى الناتج القومي؛ ولذلك فربما كان علينا مؤقتا أن نضع ذلك جانبا ونركز على الاقتصاد الرسمى الذى كما رأينا يعانى من شح معدلات النمو. وعلى أى الأحوال فإن المرجح بالنسبة للاقتصاد غير الرسمى هو أن نموه سوف يتوقف على ما يحدث فى الاقتصاد الرسمى ارتفاعا وانخفاضا، خاصة أنه لا توجد فرصة قريبة، وسياسات متوقعة، لإغراء الاقتصاد غير الرسمى أن يدخل تحت المظلة الرسمية فى الدولة المصرية.

أسباب شحوب النمو فى الاقتصاد الرسمى المصرى عرفناها من قبل، فمنذ بداية عهد الثورات خرجت مشروعات كثيرة من السوق كلية، وما تبقى عمل لفترة طويلة لأقل من طاقته مرة بسبب عدم توافر الطاقة، ومرة بسبب ارتفاع سعر الدولار، ومرة بسبب الطاقة السلبية لممارسة الأعمال، ومرة بسبب إضرابات العمال، ومرة بسبب المنافسة غير المتكافئة داخل الاقتصاد المصري. وهناك ما هو أكثر بالتأكيد، ولكن إذا كنا نعرف كل ذلك فلماذا لا تتغير الأمور ولماذا كل هذا البطء فى تغيير ما يجب تغييره؟ وعلى سبيل المثال فإن الرسالة التى قام عليها مشروع تفريعة قناة السويس الجديدة كانت أنه من الممكن تنفيذ مشروعات كبرى خلال فترة قصيرة من خلال حشد الموارد والعمل على مدار الساعة. لماذا يكون ذلك ممكنا، ولكنه يصير غير ممكن إذا ما تعلق بقانون الاستثمار، أو بتسهيل تيسير الأعمال، أو بحل مشكلات المصانع المتوقفة أو تلك التى تعمل بأقل من طاقتها.

المصريون يعلمون أنه لا يوجد فى كل ما سبق قضية سهلة، وأن فى مصر من درجات تعقيد القضايا ما يكفى قارة بأكملها، ولكن فى هذا الصدد لا بد من أخذ أمرين فى الاعتبار: أولهما أن التحديات الكبرى لا تتركنا، فالسباق الجارى فى مصر بين التنمية والزيادة السكانية يحتم أن يأخذ معدل النمو الاقتصادى الدولة كلها إلى اختراق الفقر والتخلف، وهذا لا يمكن حدوثه لا بالمعدلات الحالية أو المعدلات المتوقعة خلال السنوات القليلة المقبلة؛ وساعتها لن تخفق فقط رؤية مصر 2030، وإنما سوف يكون للمعدلات الراهنة نتائج سياسية واجتماعية سلبية. وهناك السباق الآخر بين التنمية والأمن وخاصة فى سيناء وجنوب مصر؛ فضلا عن السباق الإقليمى الذى يجعل دولا أخرى فى المنطقة آخذة فى التفوق علينا، أما من تفوقوا علينا من قبل فإنهم يصلون إلى مستويات من التقدم يصعب اللحاق بها. وثانيهما، أن ما نمر به من معضلات ليست جديدة على العالم، بل إن أيا من مشكلاتنا كانت جزءا من تاريخ معظم بلاد العالم، ومع ذلك نجحت هذه الدول فى تجاوزها، وكان المفتاح هو أن تنمو بمعدل يصل ويتجاوز 8% ولفترة زمنية متصلة لا تقل عن عقد من السنوات. حدث ذلك فى كل دول العالم التى سبقتنا، وكثيرا ما يأتى ذكرها فى أحاديثنا سواء كانت هذه الدول كبيرة مثل الهند أو الصين أو البرازيل، أو صغيرة بحجم سنغافورة أو الإمارات العربية المتحدة. فى كل هذه الدول كانت هناك تحديات إستراتيجية بعضها كونى يتعلق بمكانة الدولة فى النظام العالمى مثل الصين والهند، وبعضها أحيانا أخرى بتحديات وتهديدات حالة مثل كوريا الجنوبية فى جوارها مع كوريا الشمالية. ولكن هذه الدول جميعا جعلت معدلات النمو المرتفعة هى التى تقودها لأنها المفتاح ليس فقط لمواجهة التحديات الاقتصادية، وإنما الإستراتيجية أيضا.

لمزيد من مقالات د. عبد المنعم سعيد

رابط دائم: 

Previous
Next