Skip to Content

Friday, November 15th, 2019

قارب بلا شراع.. رحلة البحث العلمى فى مصر!

Closed
by August 18, 2016 General

لا يكفى النص فى الدستور على استقلال مؤسسة ما لتحقق الاستقلال من الناحية الفعلية. الاستقلال ثقافة. استقلال المؤسسات ليس أمرا مطلوبا لذاته ولا هو نوع من الوجاهة والتميز المهنى، بل هو شرط لازم لحسن أداء الوظيفة على الوجه الذى يحقق تقدم المجتمع. الأهم من النص على الاستقلال أن تتوافر عند القائمين على أمر المؤسسات المستقلة ثقافة الاستقلال التى هى اقتناع ضارب بجذوره فى تقاليد راسخة أن استقلالهم لازم لكفاءة عملهم. بدون استقلال مؤسسات العدل والعقل تحديدا تصبح هذه المؤسسات قاربا بلا شراع يوجهه الربان أو القرصان كيفما اتفق.

رحم الله صديقى القاضى الجليل الدكتور فتحى نجيب، رئيس المحكمة الدستورية العليا الأسبق، الذى كان يؤكد دائما على ارتباط الاستقلال بالوظيفة. فلا استقلال لقاضٍ خارج منصة القضاء ولا لنائب البرلمان بعيدا عن القبة وهلم جرا. عندنا تجرى شخصنة الوظائف وإسباغ الحصانة والمزايا على أصحابها حتى خارج نطاق عملهم. أما عملهم نفسه، فلا يهم أن يمارس باستقلال. وهذا موروث عثمانى وليس موروثا إسلاميا أو قبطيا أو فرعونيا.

هذه كانت مقدمة لتأكيد أهمية استقلال مؤسسات البحث العلمى وديمقراطيتها لكفاءة عملها. كان الدكتور خليفة مؤسس مركز البحوث الاجتماعية، الذى بدأت فيه حياتى المهنية حريصا على بث الثقة والشعور بالاستقلال فى نفوس باحثيه، ولكن بالقدر الذى لا يتصادم مع إرادة الدولة. كنت وقتها شابا يافعا، وكلفنى رئيسى بمرافقة وفد وزارى أجنبى زائر التقيت معه بعبدالناصر فى قصر القبة.

ومع ذلك، فلا استقلال فى مواجهة إرادة الدولة. فصل رئيسنا باحثا من عمله دون تحقيق، عندما أدلى بتصريحات فى الكويت تتعارض مع التوجه العام.

كان لدينا باحثون مستقلون فى حدود، ولم تكن لدينا مؤسسات بحثية مستقلة. مثلما كان لدينا قضاة مستقلون دون قضاء مستقل، وإعلاميون مستقلون فى إطار توجه الدولة دون إعلام مستقل.

العلوم الاجتماعية والفنون والآداب لا تستقيم مع القمع الفكرى أو الهرولة وراء صاحب السلطان طمعا أو رهبا. عندئذ يتحول الأمر إلى تسبيح ممجوج بحمد حاكم مستبد. راجعوا قصائد المتنبى فى مدح كافور الإخشيدى ثم فى هجائه عندما منع عنه العطاء. وراجعوا كتابات التاريخ وعلم الاجتماع والفلسفة والقانون فى الحقبة السوفيتية لتكتشفوا أنها كانت فى أغلبها ثرثرة بلهاء لتمجيد مقولات المادية التاريخية والمادية الجدلية بلا نقاش.

هناك بالطبع استثناءات فى تطور الفنون الرمزية والسمعية والبصرية مع الاستبداد. ولكن تبقى القاعدة أنه ليس هناك إبداع أدبى أو فنى وليست هناك مصداقية للعلوم الاجتماعية فى مناخ القهر والنفاق.

الحديث عن مؤسسات صناعة العقل فى الحقبة السابقة يصدق عليه كل ما قيل سابقا. غيبة للحرية وافتقاد للاستقلال المؤسسى ونمو لنزعات ممالأة السلطان وإرضائه وفقدان للفعالية الاجتماعية وتغلب الطموحات الشخصية على السعى نحو التقدم الحقيقى للعلوم ودورها فى تحديث المجتمع. تلك هى سمة مؤسسات البحث العلمى عندنا إلا فيما ندر.

العلوم الطبيعية أيضا لا تزدهر إلا فى مناخ من الاستقلال الأكاديمى. هل أحدثت هذه المؤسسات على كثرتها عندنا نقلات نوعية نحو الحداثة؟ قارنوا بين ما قدمته مؤسساتنا وبين دورها فى دول بدأت حركة التحديث معنا وبعدنا، مثل اليابان والهند وكوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة لتعرفوا الفرق. التنمية حرية والعلم حرية.

لن أفيض فى أمثلة قد تغضب البعض. الهدف من استعراض سيرتى الذاتية كأحد المشتغلين بالعلم الاجتماعى ليس السرد أو النقد المجرد. ولا يروقنى النظر إلى النصف الفارغ من الكوب. هدفى (المواعظ والاعتبار/ بعبارة المقريزى) حتى نتخطى عثراتنا فى المستقبل. الذين يؤرقهم ويغضبهم النقد لا يعنيهم أن ينجرف مجتمعنا إلى الهاوية. كثير من المصريين يئنون من أوجاعهم التاريخية. ويريدون أن تصبح دولتهم مثل دول كانت خلفهم، ثم سبقتهم فى المضمار بأشواط. لن يكون ذلك بالتصفيق للنصف الملآن من الكوب، إن وجد، ولكن بإبراز العيوب والعمل على تلافيها. من حقنا أن نشتاق للتقدم. لا يهم من أخطأ ومن أصاب. ولكن تهم السياسات والخطط والبرامج، وماذا أنجزت. المصريون لم يحققوا نجاحات حقيقية إلا عندما اعتمدوا العلم والعقل شريعة ومنهاجا. نجحوا فى الخطة الخمسية الأولى، ونجحوا فى تأميم القناة وإدارتها، ونجحوا فى بناء السد العالى، ونجحوا فى انتصار أكتوبر العظيم.

رغم القفزات النوعية التى حققها المركز القومى للبحوث الاجتماعية فى تدريب الكوادر وخلق المدارس الفكرية الناضجة، إلا أنه لم يقدم شيئا لمجتمعه فى مجال التنمية الاجتماعية الفعلية على أرض الواقع، لسبب بسيط هو أن الدولة لم تكن راغبة. فانصرفت إدارته إلى ما يرضى دولة غير مكترثة، وانصرف باحثوه إلى ما يحقق طموحهم الشخصى.

أهم بحوث المركز وقت عملى به فى الستينيات كان عن ظواهر (القتل) (البغاء) و(تعاطى الحشيش) و(الثأر فى صعيد مصر) وعن (توطين وتهجير أهالى النوبة) وعن (العمل والعمال فى المصانع الكبرى) وعن (الصناعات الصغيرة) وعن (ظاهرة الطلاق) وعن (ضوابط السلطة التقديرية للقاضى الجنائى) وعن (معايير الحد الأدنى فى السجون المصرية) وعن (رعاية الأحداث). بعض تقارير هذه البحوث اختفى تماما بعد إجرائه. البعض الآخر رأى النور وطبع فى منشورات المركز. ولم يتخط الأمر مجرد وضع المنشورات على أرفف المكتبة.

البعض الآخر من البحوث كان من أجل مرضاة الحكومة. صرح عبدالناصر يوما أن أحد أسباب زيادة أسعار السلع (كانت الزيادة وقتها تحدث بالملاليم والقروش) هو زيادة الاستهلاك. طلب منا أن نجرى بحثا عن الاستهلاك وقيل تلميحا إن نتيجة البحث يجب أن تنتهى إلى أن الاستهلاك قد زاد. ونحمد الله أن لم يخرج البحث إلى النور.

بدأت مصر فى أوائل الستينيات فى بناء السد العالى بدعم كامل من الاتحاد السوفييتى. وترتب على ذلك لزوم تهجير أهالى النوبة، بعيدا عن النهر. النوبيون دفعوا فى صمت ثمن تنمية مصر بمغادرة موطنهم عدة مرات: عند بناء خزان أسوان سنة ١٩٠٢، ثم تعليته سنة ١٩١٢، ثم التعلية الثانية سنة ١٩٣٣، ثم بناء السد العالى سنة ١٩٦٣. كل مرة يتركون بيوتهم ونخيلهم ويرحلون إلى أعلى شاطئ النهر. وفى المرة الأخيرة، كان عليهم أن يهجروا شاطئ النهر بأكمله إلى أرض جديدة مستصلحة فى هضبة كوم أمبو، حيث الصحراء والجدب.

سارعت إدارة المركز الذى أعمل فيه إلى ضبط بوصلتها على توجه الدولة. تم تشكيل فريق بحثى يرأسه حسن الساعاتى ثم أحمد أبوزيد وضم فى عضويته المعمارى الفذ صاحب نظرية عمارة الفقراء حسن فتحى والمصور الفنان ألفونس نسيم، ومن كبار الباحثين الاجتماعيين محمد خيرى والسيد ياسين ومكرم سمعان ميخائيل، ومن شبابهم شهيدة الباز ونادية حليم ونور فرحات. وانضم إليه فى كوم أمبو، أحمد المجدوب وسيد الحسينى ومصطفى تركى ومحمد على محمد (مع حفظ الألقاب والدعاء بالرحمة لمن رحل).

خصصت لنا الدولة باخرة صغيرة بديعة تخص مدير مصلحة الآثار (شيخ البلد) أبحرنا بها من الشلال جنوب أسوان نقطع النهر من دابود شمالا حتى أدندان جنوبا مرورا بكلابشة والعلاقى وجرف حسين وتوشكى وبلانة وغيرها من القرى النوبية المتناثرة شرق النهر وغربه. كان حسن فتحى يرصد المعمار فائق الجمال والسمو الروحى والتناغم مع البشر، وكان ألفونس نسيم يصور بالسينما والفوتوغرافيا، وكنا جميعا نجالس الأهالى فى لياليهم القمرية (القمر والنهر والنخيل تلعب فى ثقافة وضمير أهل النوبة دورا أسطوريا) نستمع إلى أشجانهم وشكاواهم وآرائهم وندونها.

كنا نتبع منهجا معتمدا فى علم الأنثروبولوجيا هو منهج الملاحظة بالمشاركة PARTICIPANT OBSERVATION. كنا نستمع إلى غنائهم باللغة الموتوكية فى الشمال ولغة الفاديجا فى الجنوب والعرب فى الوسط ونسجله. وكان غناء ينساب منه الحنين جارفا للأهل المغتربين فى مدن مصر بحثا عن رزق شحيح. ويترنم بالنهر الذى سيفارقونه إلى الأبد، كما تفارق الروح الجسد.

ورحلنا معهم فى مراكب التهجير من الجنوب إلى وادى كوم أمبو فى الشمال. فى الموطن الجديد الصحراء قاحلة والحرارة قاتلة والبيوت ضيقة خالية من الجمال الروحى والنخيل عرجون قديم. كانت آلامهم وآمالهم ودموعهم معانى مصورة ومكتوبة فى أوراقنا. واستمررنا معهم سنوات، عدنا بعدها للقاهرة لنكتب تقريرا لبحث بالغ القيمة عن تجربة إنسانية فريدة واجتماعية وتسجيلا لحضارة ضحى أبناؤها فى سبيل الوطن الأم.

سألت بعد شهور عن تقرير بحث النوبة، قيل إنه ضاع (مثلما ضاعت لاحقا لوحة زهرة الخشخاش) ومثلما سرق منا رأس نفرتيتى. والأرجح أن أحدهم قد أخذ التقرير تحت إبطه وهاجر، يزكى به نفسه للعمل لدى مؤسسة أجنبية. على قدم وساق يجرى نهب مدونات ومجسمات ضميرنا وتاريخنا.

وتوارى بحث النوبة فى دائرة النسيان، لأن الدولة قد انتهت من بناء السد وتهجير النوبيين، ولم يعد هناك داعٍ لبحث علمى أو غير علمى. وهنا نعود إلى ما بدأنا به من أن استقلال العقل والضمير والثقافة عن توجهات الدولة اللحظية شروط لازمة للكفاءة، بل الشرف. وسار القارب دون شراع إلى حيث لا يعلم أحد، ولا يعبأ أحد.

وللحديث بقية…

mnfarahat@yahoo.com

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

Previous
Next