Skip to Content

Monday, August 19th, 2019

هل نجري مراسم دفن «الثورات»؟ ياسر عبد العزيز 25-12-2016 تتزايد الخسائر التي تتكبدها دول عربية من جراء الانتفاضات والاضطرابات السياسية والأمنية يوماً بعد يوم.

Closed
by December 24, 2016 General

تتزايد الخسائر التي تتكبدها دول عربية من جراء الانتفاضات والاضطرابات السياسية والأمنية يوماً بعد يوم.

وعلى عكس الاحتفاء الغربي الذي واكب اندلاع الانتفاضات مطلع العقد الجاري، بدأت المنظمات والدول ومراكز البحوث والمعاهد العلمية في الانتباه إلى فداحة الخسائر الاقتصادية والتكاليف الاجتماعية للتغيرات السياسية، كما باتت أكثر صراحة في الإقرار بها.

يقول أحدث موجز اقتصادي فصلي، صادر عن البنك الدولي، بخصوص منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إن الحرب في عام 2016، “أثرت مباشرة على نحو 87 مليون شخص من أربعة بلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ هي: العراق وليبيا وسورية واليمن، أي نحو ثلث سكان المنطقة”. ويشير الموجز إلى أن “كل مناحي الحياة تضررت في هذه البلدان، حيث تأثرت المنازل، والمدارس، والبنية الأساسية، والمستشفيات، والأعمال، والغذاء، والمياه من شدة القتال في هذه الحروب”.

في شهر نوفمبر الماضي، كانت الأمم المتحدة بدورها قد أعلنت أول تقييم من نوعه لحجم الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها دول “التغيير” العربية، خلال السنوات الخمس الفائتة، بسبب “الانتفاضات والاضطرابات والإدارة الاقتصادية المتخبطة”. فقد ذكرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، أن “ثورات ما يعرف بالربيع العربي في 2011، كلفت اقتصادات المنطقة ما يقدر بنحو ستة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي حتى نهاية العام الماضي، وهي نسبة تعادل نحو 614 مليار دولار”.

تلك الجردة الاقتصادية لتداعيات الانتفاضات لم تكن بهذا الوضوح من قبل، لكن التقييم السياسي كان واضحاً منذ نحو أربعة أعوام؛ خصوصاً بعدما وصل تنظيم “الإخوان” إلى الحكم في مصر، وانهارت الدولة في ليبيا، واشتعلت الحرب الأهلية في سورية، ودخل اليمن في نفق طويل معتم؛ إثر الاقتتال الأهلي والتدخل العسكري الخارجي.

بحساب التداعيات الاجتماعية والأخلاقية المترتبة على الانتفاضات، أو “إخفاقها”، أو “محاربتها”، أو “قمعها”، أو “الفشل في إدارتها”، ستصبح الخسائر كبيرة بأكثر مما تتحمل البلدان، وبأكثر مما تستطيع مفاهيم “الثورة” و”الانتفاض” و”التغيير” أن تدافع عن نجاعتها.

سيجد مؤيدو “الثورات” و”التغيير” ذرائع لدحض تلك الاستخلاصات؛ وسيقول هؤلاء: “إن الثورات لم تكتمل، وتم إجهاضها بواسطة الثورات المضادة، وأن تلك الخسائر سببها الفساد والاستبداد والإدارة الفاشلة”.

وسيرد معارضو “الثورات” والراغبون في عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل ست سنوات بقولهم: “ليست ثورات ولا انتفاضات، لم تكن سوى مؤامرات، وخسائرها أكبر مما يظهر حتى الآن”. لكن الباحثين الموضوعيين سيهتمون بكون تلك الخسائر حقيقة واقعة، وأن الاختلاف حول حجمها، أو المتسبب فيها، لا ينفي خطورتها، وأهمية إيجاد السبل المناسبة لإيقافها، وتعويضها، وصولاً إلى تحقيق التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لضمان عدم تكرار الوقائع المريرة مرة أخرى في بلدان المنطقة.

بسبب النزاع حول أسباب إخفاق محاولات التغيير، لم تعد “الثورة” مفهوماً مستقراً يتمتع باليقين في العقل الجمعي لمواطني “دول التغيير”، ولأن تكاليف الاضطراب وانهيار الدولة فائقة ومتجسدة، فإن الرهان على الانتفاض والاحتجاج يتراجع بشدة.

يقودنا هذا إلى تزايد الطلب على الاستقرار بموازاة تراجع الطلب على المجازفة، مما يؤدي إلى بروز مفهوم الإصلاح في مقابل تراجع مفهوم الثورة.

تقول الوكالات المتخصصة في الأمم المتحدة والبنك والصندوق الدوليين إن تبني النهج الديمقراطي على الطريقة الغربية من شأنه أن يعزز النمو ويحقق الرخاء في المستقبل، لكن معظم تلك الوكالات لا ترسم خريطة طريق واضحة تخرج بتلك الدول من حالة الحرب والاقتتال الأهلي إلى الحالة الديمقراطية المطلوبة.

إن تلك المنظمات الدولية، ومعاهد البحث ومستودعات التفكير، تدرك جيداً أن بعض النزعات العرقية والطائفية هيمنت على المجال السياسي لدول الانتفاضات؛ وأن تلك الهيمنة من شأنها أن تفسد العمليات الانتخابية، وتحولها إلى تصويت على الهوية.

تجسد التجارب الناجحة في بعض دول جنوب شرق آسيا حلاً قابلاً للتحقق في أجواء الشرق الأوسط البعيدة عن قيم الحداثة بمفاهيمها الغربية.

هناك منظومة تقاليد وسلوك وفكر وأداء سياسي تسود منذ عقود في بعض دول جنوب شرق آسيا؛ وهي منظومة تُسمى بـ”الجدارة الرؤوفة”، وتنبع من القيم “الكونفوشيسية”، ولا تتوافق بالضرورة مع قيم الليبرالية الغربية، كما يقول البروفيسور بجامعة سنغافورة الوطنية “دانييل بيل”. ووفق حكم “الجدارة الرؤوفة”، سيتم اختيار كوادر مؤهلة ونزيهة، ملتزمة بالإصلاح، والحكم الرشيد، ومحاربة الفساد، واحترام المواطنين، لتولي المسؤولية.

كانت تلك الدول فقيرة، وكان بعضها مضطرباً، وشهد عدد منها ثورات وانتفاضات، لكن منظومات حكم قوية أتت، وقام عليها زعماء جديرون ومخلصون (مثل “لي كيوان” مؤسس نهضة سنغافورة)، استطاعوا أن يقودوا بلادهم إلى التقدم والازدهار، عبر خطط إصلاح ناجحة.

لا يتطلب حكم “الجدارة الرؤوفة” أن تكون الصناديق وسيلة لتحديد اسم الحاكم، وقد يظل حزب معين في السلطة مدة طويلة، وربما يتم تقييد حرية التنافس السياسي، لكن في المقابل ثمة شروط صارمة لا بد من الوفاء بها. في حكم “الجدارة الرؤوفة” يجب أن يتم اختيار أفضل العناصر لشغل المناصب، كما يجب أن يتم تفعيل آليات المحاسبة والرقابة، وينبغي أن يخضع الأداء للتقييم، وأن يُحارب الفساد، وأن تتحقق توقعات المواطنين.

بسبب “الجدارة الرؤوفة” خرج مئات الملايين من الفقر في الصين، وسنغافورة، وماليزيا، وغيرها، وتمتع أغلبهم بالكفاية أو بالثراء، لأن حكام هذه البلاد كرسوا حكماً رشيداً، يحقق الإنجاز، ويقابل التوقعات، واحترموا، إلى أقصى درجة ممكنة، مواطنيهم، وصانوا كرامتهم، وإن لم يطلقوا آليات التنافس السياسي على طريقة الديمقراطية الغربية.

“الجدارة الرؤوفة” قد تكون طريقاً لفرض السلام والنظام، ولإخراج الملايين من الفقر، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتكريس استقرار الدولة، وتحقيق التقدم التدريجي، بما يعزز فرص التغيير الديمقراطي مستقبلاً.

لا يمكن أن تتحقق تلك الأهداف في البلدان المضطربة من دون مساعدة فعالة من الجيران والمجتمع الدولي؛ وهي مساعدة تبدأ من بناء زعامات محلية وجيوش وطنية على قاعدة الإصلاح، وليس عبر تفتيتها وإطاحتها كما يحدث الآن.

* كاتب مصري

Previous
Next